تبنى قادة مجلس التعاون الخليجي في قمتهم الأخيرة في أبوظبي العديد من الاستراتيجيات الهامة, ومن بينها الاستراتيجية السكانية لدول المجلس . وإذا كان علم الاجتماع وعلماؤه يفضلون استخدام مصطلح (الديموغرافيا) للتعبير عن الموارد البشرية وحتى يؤكدوا على الجوانب الاجتماعية وطبيعة الروابط القائمة بين عناصر المجتمع الإنساني ومجمل العادات والقيم السائدة فيه, فإن علم الاقتصاد ومفكريه يفضلون استخدام مصطلح رأس المال البشري للتعبير عن القيمة الاقتصادية للموارد البشرية باعتبارها تشكل عنصرا من عناصر الانتاج. إلا ان هذين العلمين وغيرهما من العلوم يتفقان في مسألة أساسية وهي اعتبار الإنسان عنصرا انتاجيا وفاعلا في النشاط الإنساني, ولذلك فتنميته وتطويره هما الخطوتان الأساسيتان لبدء تنمية الموارد البشرية, باعتبار ان التنمية تتضمن محتوى اجتماعيا وماديا وحضاريا وسياسيا في آن واحد وبشكل مترابط, كما ان تنمية الموارد البشرية تتطلب التخطيط كأداء لتحقيقها, فتخطيط القوى العاملة كجزء من عملية التخطيط السكاني وكجزء من عملية التخطيط الشاملة سوف يضمن لعملية التنمية البشرية الاستقرار والانتظام والاستمرار المطلوب, كما تتطلب هذه الخطط تكافؤ وعدالة توزيع نتائجها, وتتطلب الموازنة بين الجوانب المادية وغير المادية في مسألة التنمية. وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي, فإن معدلات النمو السكاني تعتبر من أعلى معدلات النمو السكاني في العالم وهناك ارتفاع في هذا المعدل في السنوات السابقة, وعند مقارنة هذه المعدلات بالدول النامية (4,2%) وبالدول الصناعية (6,0%) يتضح من جديد ان الارتفاع يفوق هاتين المجموعتين من الدول أيضا. ويعز ارتفاع معدلات النمو السكاني في دول المجلس إلى الزيادة الطبيعية وصافي الهجرة الخارجية (العمالة الوافدة). وحتى بعد استبعاد تأثير الهجرة الوافدة فإن معدلات الزيادة الطبيعية ستبقى عالية بالنسبة للمواطنين من سكان دول المجلس. مع ارتفاع أسعار النفط عام 1973 والذي أدى إلى تضاعف عائدات دول مجلس التعاون, تم التوجه لتنفيذ مشروعات تنموية ضخمة وطموحة, والذي نتج عنه ظهور فرص عمل كبيرة في دول المنطقة تفوق بكثير ما هو معروف من القوى العاملة المواطنة من حيث الكم والنوع, وتفوق المعروض في متطلبات شغلها من حيث الاستعداد والتخطيط والتوجهات والسياسات. وفي منتصف الثمانينات شهدت دول مجلس التعاون تراجعا في عائداتها النفطية نتيجة لانخفاض أسعار النفط وتذبذبها, مما أفرز ولأول مرة عجوزات في ميزانياتها بعد فوائض ضخمة استمرت عقدا من الزمن تقريبا. هذا التراجع الاقتصادي وفي مرحلته الأولى لم يصاحبه انخفاض في حجم العمالة الوافدة الموجودة داخل المنطقة أو القادمة بل كانت ردود فعل الحكومات هي تخفيض الانفاق العام إلى حدود لا تؤثر كثيرا على المشاريع القائمة أو في طريقها إلى الاكتمال أو الخدمات الأساسية للمواطنين, وردود فعل مؤسسات القطاع الخاص كانت تتركز على تخفيض التكاليف الثابتة نتيجة التراجع الذي حصل على أرباحها, فأقدمت على تخفيض الرواتب والامتيازات والبدلات التي يتمتع بها العاملون الوافدون. لذلك, فلقد ظل موضوع التنمية البشرية, ومن خلفها التنمية السكانية قائما دون توجهات استراتيجية للتعامل معه. ومن هنا تبرز أهمية الاستراتيجية السكانية التي تبنتها قمة قادة التعاون مؤخرا. إن المطلوب من تنمية الموارد البشرية تطور العنصر البشري تطورا شاملا ومنهجيا, وان معنى الشمول هنا ينسحب كذلك إلى فئات السكان المختلفة, فليس المقصود من تنمية الموارد البشرية تطوير فئة السكان القادرين على العمل, بل تشمل كذلك فئات السكان الأخرى خارج سن العمل. إن هذا المفهوم للشمولية يحقق شمولية مفهوم الموارد البشرية وبالتالي شمولية الآثار والنتائج المترتبة على هذه التنمية والتي تشمل ليس الجانب الانتاجي فقط بل كذلك الجانب الاستهلاكي.