هناك مثل حكيم بتداوله المتحدرون من سلالة المايا في شبه جزيرة يوكاتان يقول بما معناه: ان كثر الكلام حول موضوع معين يفقده اهميته . ويبدو ان هذا المثل ينطبق تماما على طبيعة النقاش الدائر في امريكا اللاتينية حول السياسات الاقتصادية, ولقد انتقلنا ( في نقاشنا هذا) من اقصى طرف البندول الى اقصى الطرف الآخر. ان المشاكل الاقتصادية الراهنة التي تعاني منها البرازيل في اعقاب الاضطرابات المالية التي شهدتها الاسواق الآسيوية تحد من الخيارات المتاحة. فهل يتوجب على البرازيل ان تتبنى سريعا نموذج التنمية الاقتصادية السائد بان تترك الاسواق تتحكم بتدفق رؤوس الاموال وتخاطر باستمرار الوضع المالي المتقلب؟ ام يتوجب عليها تبني الحل الذي اتبعته ماليزيا والذي ينص على وضع نوع من القيود الرأسمالية كطريقة لجلب الاستقرار الاقتصادي للبلاد؟ او هل هناك طريقة اخرى للبرازيل واي دولة ذات اقتصاد ناشيء بان تتمتع باستقرار اكبر دون ان تسبب فزعا للمستثمرين الاجانب؟ لقد تبنت الاغلبية الساحقة من دول امريكا اللاتينية بعيد الحرب العالمية الثانية سياسات اقتصادية اعتمدت على جرعات كبيرة من مبدأ (الحمائية) اي حماية الانتاج الوطني عبر فرض رسوم جمركية عالية على السلع المستوردة, وكذلك على التدخل الحكومي والتشجيع المنتظم للسوق المحلية مع اهتمام بسيط بكيفية تأثير هذه السياسات على المنطقة. وبالرغم من الانتقاد الشديد الذي وجه اليها, الا ان هذه السياسات اتاحت للعديد من الدول فرصة التصنيع وتأسيس مؤسسات عملت على تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية وما كان يمكن للكثير من البرامج الاقتصادية الحديثة ان تنجح لو لم تحدث هذه التغيرات. لكن سياسة (الحمائية) تمادت كثيرا وتدخلت في الكثير من القطاعات ودامت وقتا طويلا, وقد اوجدت ايضا عجوزات ضخمة في الموازنة ونسب تضخم عالية وعملات مبالغ في قيمتها و خللا في الميزان التجاري وقطاعا عاما ضخما تسبب في حدوث الازمة الاقتصادية والسياسية الحالية. كما ان شبح الحرب الباردة والصراع بين القوتين العظميين دفع الحكومات بامريكا اللاتينية الى تبني سياسات توسعية بمجال الانفاق الاجتماعي لتخفيف الضغط الصادر عن الجماعات اليسارية في المنطقة . وفي اغسطس من العام ,1982 تفجرت ازمة الديون الخارجية في امريكا اللاتينية, وفي الوقت الذي اصبحت هذه الدول مصدرة لرأس المال, تلاشت فرصها بالتنمية الاقتصادية, واصبح عبء دفعات الفائدة بالاضافة الى القرض الرئيسي يشكل كاهل المنطقة برمتها, وكانت الاموال تغادر البلاد بوتيرة اسرع من دخولها اليها. وبخروج الودائع المالية, تلاشت الآمال بالنمو الاقتصادي. وفي غضون ذلك, بدأت تتكشف بوادر ثورة ايديولوجية ستؤدي الى احداث تغيرات بنيوية خطيرة على اقتصادات المنطقة, اما النموذج الجديد الذي حظي بدعم الولايات المتحدة, فهو ينادي بتبني اقتصادات منفتحة و مشاريع تجارية تعتمد على التصدير ونظام الخصخصة وازالة القيود التنظيمية واعتماد تدابير مالية عامة افضل من خلال تقليل الانفاق الاجتماعي وتخفيض مستوى التدخل الحكومي. وقد كان لتبني النموذج الليبرالي الجديد الذي ضمن تدفقا ثابتا لرأس المال الاجنبي, من قبل امريكا اللاتينية آثار كبيرة فقد خفت المشاكل التضخمية الاسطورية التي تعاني منها المنطقة وبحلول النصف الاول من عقد التسعينات كان الاداء الاقتصادي لدول المنطقة قد تحسن واصبحت الصادرات تشهد حركة فاعلة بشكل خاص. لكن انتفاح الاقتصادات اللاتينية على الواردات وبعض التغيرات البنيوية التي تلت جرت جميعها بوتيرة مفرطة في سرعتها دون فهم واضح للاولويات, وقد اطاعت المنطقة اوامر واشنطن دون تردد, وبدا في كثير من الاحيان وكأن المؤسسات المالية الدولية والخزانة الامريكية تملي سياستها على المنطقة وعندما توقف تهديد الاتحاد السوفييتي اختفت الضغوط الهادفة الى زيادة الانفاق الاجتماعي. والآن وبالرغم من ان الاقتصاد العالمي بدأ يفقد جزءا من ديناميكيته, فان التجارة العالمية وتدفق رأس المال واصلا نموهما بوتيرة سريعة وفي الوقت نفسه, ازداد عدد السكان الذين يعيشون ظروفا صعبة حتى في البلدان الصناعية, واتسعت الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة وبين الاغنياء والفقراء وولد الضعف المتزايد للاسواق المالية مزيدا من الشكوك التي زادت من المخاطرة, وقد اثار هذا الشعور العارم من الشك, مؤخرا في اوساط الاقتصادات الناشئة نقاشا جديدا حول طريق مختلف (طريق ثالث) لتحقيق الامن الاقتصادي, ويبدو ان امريكا اللاتينية تشعر بهذا القلق الفكري وتسعى الى تحديد دور جديد للحكومة في مواجهة الاسواق. ويمثل الوضع البرازيلي بوضوح هذا النقاش, وفي عالم يعيش مرحلة العولمة, فان فرض قيود على التدفق الحر لرأس المال يعتبر نوعا من اللغة, حيث انه يخالف مبدأ اساسيا يقضي بتنقل السلع والخدمات بحرية بين الدول وفي داخلها, وقد كان هناك على الدوام نوع من القيود على التبادل التجاري, لكنها كانت تهدف بشكل عام الى ترتيب دخول وخروج العملات لتقليل المخاطر الكامنة في العلاقات الاقتصادية الدولية. الا ان التجربة لم تكن ناجحة في اي مكان تم فيه فرض قيود على رأس المال, خاصة اذا كانت هذه القيود طويلة الاجل. وعلاوة على ذلك, فان العودة الى فرض مثل هذه القيود, في عالم الشائع فيه غياب هذه القيود, يؤدي الى تخفيض مصادر رأس المال الاجنبي ويضع ضغوطا على الاقتصادات المحلية لانتاج المزيد. وبالتقيد بالتدفق الحر المطلق لرأس المال والنصيحة الاقتصادية الليبرالية الجديدة يكون بمقدور الدولة الاعتماد على الاستثمار الاجنبي والمشكلة هي ان هذه الاستثمارات غالبا ما تكون ذات طابع تضاربي او انها تساهم ببساطة في زيادة الاستهلاك الذي يضيف فائدة هامشية للبلد المتلقي الاستثمارات, ويتعين ايضا الاشارة الى ان المستثمر يفتقر , في الغالب, الى المعلومات الضرورية حول الآليات التنظيمية والرقابية المتبعة في البلد الذي يستثمر فيه, وبناء عليه, فان المستثمر يميل الى سحب امواله خارج البلاد لدى بروز اول بادرة على مشكلة ما. وفي الوقت الحاضر من الصعب تكريس النموذج الليبرالي الجديد, النهج البرازيلي, او النموذج الذي يستخدم شكلا معينا من القيود الرأسمالية النهج الماليزي, باعتباره الطريق الامثل لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والنمو للدول النامية, الا انه وفي اطار تخفيض الضعف المالي وحالة الغموض التي تميز الاقتصاد العالمي الحالي, فقد تكون الحكومة في اقوى موقف يؤهلها لفعل شيء ما. ان من مسؤولية الحكومة (في اي مكان) ان تكون قوة باعثة على الاستقرار فيما يتعلق بالشؤون الاقتصادية العالمية, وليست فقط مسؤولية تلك الحكومات في الدول ذات الاقتصادات الناشئة, وفي هذه الحالة, يتعين على حكومات الدول الصناعية الا تقف كالمتفرج تراقب مستثمريها الدوليين وهم يتلاعبون بالاقتصادات الاجنبية. وقد تكون الاسواق افضل اداة لتوزيع الموارد القليلة في اقتصاد معين, لكنها مع ذلك تترك فجوات كثيرة بلا تغطية وتتسبب في حدوث تشويشات وقلاقل كثيرة قد تكون الحكومة فقط قادرة على معالجتها وتجنبها. وفي ظل النواقص التي تتحملها امريكا اللاتينية والتحديات التي تواجهها, قد يكون اتباع طريق ثالث يتضمن وجود حكومة اكثر فاعلية, حكومة تكون قوية كفؤة وديمقراطية مخلصة الترياق المضاد للاضطرابات الاقتصادية. شغل منصب وزير المالية المكسيكي خلال الفترة من 1982 - 1986 في ظل حكم الرئيسين خوسيه لوبيز بورتيللو وميجيل دي لامدريد وعمل سفيرا لبلاده لدى الولايات المتحدة من 1995 - 1997 - هيرتسوج - خدمة لوس انجلوس تايمز