لقد تعرضنا في مقالة سابقة الى العوامل التي تؤثر على السوق سواء أكانت سلبية ام ايجابية, ولاحظنا ان العوامل والمتغيرات السلبية تفوق المتغيرات والعوامل الايجابية . ونحن لانسرد مثل هذه الحقائق لنقف مكتوفي الايدي ازاءها, فالقضية ليست قضية تفاؤل او تشاؤم او قضية عواطف, وانما هناك مؤشرات ودلائل عندما يقوم المرء بتحليها يتوصل الى النتائج, فعلى سبيل المثال عندما يقبل مريض على اجراء عملية او علاج من مرض خطير نسبة النجاح التي يقر بها الاخصائيون 10%, نلاحظ ان في مثل هذه الحالة يغلب جو التشاؤم على جو التفاؤل, غير ان العلاج قد ينجح. وقد يكون العكس تماما اي ان نسبة نجاح العلاج في بعض الامراض تصل الى 90% ولكن العلاج يفشل. وبالضبط هكذا سوق الاسهم من حيث التوقعات, حيث ان الركود الذي يسود السوق الآن قد بدأ يتغير مع ظهور النتائج الايجابية لبعض البنوك والشركات, فلقد اعلنت البنوك عن نتائج ايجابية للغاية غير ان النتائج الايجابية للبنوك عن العام الماضي ليست مقياسا دقيقا للنشاط الاقتصادي عن عام 1998م, حيث ان المحللين يرون ان معظم البنوك قد لعبت دورا رئيسيا في فترة الانتعاش في سوق الاسهم في الصيف الماضي, سواء عن طريق تمويل حاملي الاسهم والمتداولين لها سواء بقروض وتيسيرات مباشرة وصريحة أو بقروض شخصية استخدمت لأجل تداول الاسهم في حالة استنفاد السقف الائتماني المقرر من قبل المصرف المركزي على البنوك لتمويل سوق الاسهم او عن طريق محافظها الاستثمارية الخاصة بها, والدليل على ذلك النمو الذي حدث لحجم الائتمان المصرفي خلال الربع الثالث من عام 1998م وهي فترة انتعاش سوق الاسهم حيث ارتفع حجم الائتمان بنهاية سبتمبر 1998 الى حوالي 129 مليار درهم (للمقيمين وغير المقيمين) اي ان حجم الزيادة خلال الربع الثالث فقط من العام بلغ اكثر من 15 مليار درهم أي أكثر من 13% مقارنة بحوالي 114 مليار درهم للفترة ذاتها من عام 1997م. ان نمو حجم الائتمان المصرفي خلال الربع الثالث من عام 1998 (أي خلال ثلاثة شهور فقط) وهي شهور الطفرة في سوق الاسهم بمعدل يفوق 13% يعتبر نموا كبيرا جدا. وهو يدل بلا شك على ان البنوك قد لعبت دورا بارزا في تمويل المضاربة في سوق الاسهم في ذلك الوقت. وان حجم القروض الذي استخدم لتمويل الاسهم لا يمكن تحديده بدقة, ولكن يمكن تقديره, وذلك لأن البنوك أخذت تمول الاسهم بصورة غير مباشرة كما أشرنا حيث ان بعض العملاء قد يحصل من البنوك على تسهيلات للسحب بالملايين وقد يستخدمها لهذا الغرض. ومن هذا المنطلق فاننا نتوقع ان تتفاقم قضية مديونية العملاء للبنوك في المستقبل القريب, وبالتالي لابد للدولة ممثلة بالسلطات النقدية (أي المصرف المركزي) من التدخل المباشر لجدولة الديون التي تم تقديمها للعملاء خلال فترة الطفرة في سوق الاسهم أي خلال الربع الاخير من عام 1998م, وتيسير طريقة الدفع للعملاء المتعثرين والعاجزين عن الدفع بسبب خسارتهم في سوق الاسهم. ولابد من التثبت بالأدلة على ان العميل قد استخدم التسهيلات المصرفية بالفعل للمضاربة بالاسهم وخسرها في السوق. اي بمعنى آخر انه اشترى الاسهم بأسعار مرتفعة وباعها بأسعار منخفضة عن سعر الشراء. ولا نكتفي عند هذا الحل غير اننا لابد من وضع ضوابط تشريعية ورقابية تمنع تكرار ما حدث, ولابد من توعية العملاء بذلك ونشر الوعي المصرفي والاستثماري لدى الناس, ومعاقبة البنوك المخالفة للسقف الائتماني الذي حدده المصرف المركزي بـ 10% من الحجم الاجمالي للاستثمارات التي يمنحها المصرف التجاري. وفي الحقيقة ان البنك المركزي قد لا يتدخل في هذا الموضوع بشكل مباشر وقد يكون محقا بذلك في الوقت الراهن, وذلك لأن البنك المركزي هو بنك البنوك ويتعامل مع البنوك وليس مع الافراد والشركات. والقطاع المصرفي في الوقت الراهن لم تبد عليه آثار تلك الازمة وذلك لأن العملاء مجبرون بحكم القانون على الدفع او التعرض لعقوبة السجن بغض النظر عن الطريقة التي يوفر فيها العميل المبلغ حتى ولو اضطر الى بيع منزله الذي يقيم فيه. ومن هذا المنطلق فاننا ندعو الجهات المسؤولة في الدولة للنظر الى القضية على أنها قضية اقتصادية ذات بعد اجتماعي وليس فقط قضية شخصية. وقد بدت آثارها السلبية على سوق الاسهم واضحة جدا, حيث أفقدت السوق عنصر الثقة والذي يعتبر أهم عنصر يؤثر على السوق. ولو تمعنا في الفترة التي شهدت انتعاشا في سوق الاسهم سوف نلاحظ ان هذه الفترة لم تكن اصلا فترة انتعاش في العادة, وانما كانت في الماضي فترة ركود في سوق الاسهم, وان كافة المتغيرات الاقتصادية الدولية تشير الى ان العوامل السلبية اكثر من العوامل الايجابية, الا ان الانتعاش قد حدث بالفعل مما يدل دلالة قاطعة على أنه قد حدث بفعل فاعل متعمد (أي بفعل المضاربين) وليس نتيجة نمو طبيعي. ومن هذا المنطلق فاننا ندعو الدولة الى التدخل لوضع حد فاصل لذلك.