اذا كانت المحاولة التي تقوم بها (البيان) لرصد المسيرة المستقبلية للاقتصاد الهندي قد اسفرت اولا عن رسم صورة لتطور العلاقات الاقتصادية بين الامارات والهند من ناحية والملامح الاساسية في لوحة بانورامية شاملة للاقتصاد الهندي, فان هذه الحصيلة تبدو مهمة حقا وضرورية لكنها ليست كافية . لقد لمحنا انقساما حادا في صفوف الخبراء الهنود والعالميين على السواء حول مستقبل الاقتصاد الهندي, فريق يذهب في التفاؤل إلى اقصاه ولا يتردد في الحديث عن معدل نمو يبلغ 7% وعن ان الاقتصاد الهندي قد خرج دون مساس تقريبا من اعصار الازمة الاسيوية, وبالمقابل هناك فريق اخر يتحدث عن النقيض تماما ويشير إلى معدل نمو يتراوح بين 4.5% إلى 5% ويتوقع ان تمضي العجوزات المالية بالاقتصاد الهندي إلى آفاق ازمة حقيقية. وبين هؤلاء واولئك تظل هناك حقائق لا يمكن تجاهلها, فالصادرات الهندية لا تتجاوز .06% من صادرات العالم والازمة الاسيوية تكفلت بانتزاع 20% من صادرات الهند والشركات الهندية تواجه صعوبات حقيقية في زيادة الصادرات. ولكن الصورة بهذا الشكل تظل ناقصة وبعيدة عن الاكتمال, فأين ملامح المسيرة في الزراعة الهندية؟ وماذا عن اداء القطاعات الصناعية المختلفة؟ وما الذي يواجهه القطاع الخاص الهندي في مجالات مثل صناعة البرمجيات وصناعة الملابس والمنسوجات؟ ومن ناحية اخرى كيف تعتزم الهند معالجة مشكلاتها المزمنة في مجال تطوير المرافق الاساسية؟ وماذا عن صادرات مهمة مثل الشاي؟ وإلى أين وصلت مصاهر الالمنيوم بالهند؟ ومن المؤكد ان هذه الصناعة الاخيرة تهمنا هنا في الخليج إلى حد كبير, لكننا لا نعرف الكثير عنها, وان كان الجميع يعرف ان الهند تضم احد اكبر احتياطيات العالم من البوكسيت والفحم ومع ذلك فانها لا تنتج الا 3% فقط من المنيوم العالم. كيف يحدث ذلك؟ وما هي معوقات هذه الصناعة؟ وهل هناك توقعات بانطلاق آفاقها في الهند؟ هذه كلها اسئلة تنضم إلى غيرها من علامات الاستفهام التي تحرص (البيان) على التصدي لها هنا. المفتاح ينظر الكثير من الخبراء الى الاراضي الزراعية في الهند باعتبارها المفتاح الأكثر أهمية لتحقيق هدف نيودلهي الكبير المتمثل في تحقيق النمو الاقتصادي المضطرد, وغالبا ما يقال في الهند ان العنصر المفرد الاكثر اهمية الذي يؤثر في النمو الاقتصادي لعام بعينه في الهند هو الامطار التي تحملها رياح المونسون, وعلى الرغم من ان هذا القول يحمل بعض المبالغة, الا ان الحقيقة هي ان أكثر من ثلثي سكان الهند يعتمدون بشكل مباشر على الزراعة باعتبارها المصدر الأول للدخل بالنسبة لهم. ويذهب الخبراء الاقتصاديون الى القول بأن لكي تحقق الهند هدفها المتمثل في معدل نمو ثابت يبلغ 6% الى 7% سنويا, فان الزراعة التي تقدم حاليا 30% من اجمالي الناتج المحلي يتعين ان تزيد بمعدل 4% الى 4.5% سنويا, وهو مايزيد بصورة ملموسة عن متوسط الـ 3% الذي ظل سائدا كمعدل نمو سنوي في العقد الماضي. وفي هذه الحالة فان المزيد من المزارعين الهنود الذين يكافح الكثير منهم الآن لاطعام عائلاتهم فحسب, سوف تتوافر لهم النقود الكافية لشراء السلع, وهو الشرط الضروري اذا ما أريد تحقيق الحلم المتمثل في سوق هندية واسعة وذات قدرة معقولة على الشراء. وقد تطلع صانعو القرار في نيودلهي في البداية الى تحرير التجارة باعتبارها الوسيلة التي ستتحقق من خلال هذه المهمة وفي العام 1993 قام المسؤولون الهنود بادخال تعديل على السياسة الغذائية التي اعتمدت في مرحلة ما بعد الاستقلال, فاعلنوا عن اتجاه جديد لتشجيع الصادرات الزراعية, وذلك بعد عقود من كبح جماح الصادرات لابقاء اسعار المواد الغذائية في السوق الهندية عند مستويات رخيصة. وهكذا تم التخفيف من الضوابط المفروضة على نقل وتخزين العديد من السلع, ولكن هذه السياسات فشلت ـ حتى الآن ـ في تحفيز الاستثمار الذي كان متوقعا وفي رفع الانتاجية. ويقول الخبراء الزراعيون الآن ان تحرير التجارة على الرغم من نجاحه في تحسين الاوضاع التجارية بالنسبة للمزارعين الا انه لم يعالج الكوابح الحقيقية التي تواجه نشاط المزارعين الهنود, وهذا التحرير في ذاته ليس بامكانه ان يرفع معدل النمو المتواضع في القطاع الزراعي. والكثير من المزارعين الهنود الصغار ليس بمقدورهم الوصول الى الائتمان ذي الفوائد المعقولة لشراء البذور ومبيدات الحشرات وغيرها من العناصر الضرورية للزراعة, وبالتالي فهم لايزالون في قبضة المرابين, وكذلك فان النقص في الطرق البرية يحول دون وصول العديد من المزارع النائية بمنتجاتها الى الاسواق الوطنية دع جانبا السوق العالمية, وبالتالي تنتهي بأن تكون تحت رحمة الشركات التجارية ذات الطابع الاحتكاري, ولا تكسب الا شريحة محدودة من الثمن الذي تباع به منتجاتها. مصدر الري والأمر الأكثر أهمية هو ان أكثر من 60% من اراضي الهند الزراعية لاتزال دون مصدر مؤكد للري الأمر الذي يجعل معظم المزارعين تحت رحمة أمطار المونسون, وفي هذا الصدد يقول سوم بال وزير الزراعة الهندي ان الزراعة الهندية تشكل حالة واضحة من حالات مجاعة رأس المال. وفي ضوء هذه المجاعة والاحتياج الشديد الى رأس المال فان الهند تعاني من نقص في الانتاج الممكن من الغذاء. ويلاحظ هنا أنه بينما لا يتوافر للصين الا حوالي 60% من الاراضي الهندية القابلة للزراعة فان انتاجها من المواد الغذائية اعلى من انتاج الهند بنسبة 40%. وتأمل الحكومة الهندية في كسر الحلقة الجهنمية التي يعاني منها المزارعون الهنود والمؤلفة من الاستثمار المحدود والمهارة المحدودة والعائد المحدود, ذلك بتحقيق فيض من تدفق الانتاج العام والخاص الى قطاع الزراعة والصناعات الزراعية, وقد سمحت ميزانية العام الماضي بزيادة لم يسبق لها مثيل نسبتها 58% في الانفاق على الزراعة والبيئة الأساسية الريفية. والهدف الطموح طويل المدى هو أن يقوم المزارعون الهنود بمضاعفة انتاجهم من المواد الغذائية في العام 2010. ويلاحظ الخبراء انه في العام الماضي وجه أقل من 14% من اجمالي الائتمان المصرفي الهندي الى الزراعة, على الرغم من هدف بنك احتياطي الهند المعلن وهو بحدود 18% والقروض التي تقدم لهذا القطاع حاليا غالبا ما تمنح لكبار المزارعين بينما يعتمد صغار المزارعين الى حد كبير على المرابين الذين يتقاضون فوائد تصل الى 36% وقد ادى هذا الى العديد من المآسي في الهند, ففي ولاية اندرا براديش على سبيل المثال انتج 200 من زارعي القطن خلال العام الماضي للهرب من الديون الساحقة بعد ان تعرضت محاصيلهم لاضرار فادحة. الشاي وعلى صعيد محصول نقدي مثل الشاي يلاحظ ان السوق المحلية التي تمت في العام الماضي بمعدل 2.5% هي الهدف الاساسي لصناعة الشاي الهندي. ويعقب فيناى جونيكا رئيس مجلس ادارة رابطة الشاي الهندي على هذا الوضع بقوله ان انتاجنا كبير بحيث انه يتعين علينا ان نشحن مقادير ضخمة منه لكي نصل الى اسعار مشجعة في مراكز المزادات الهندية, وينبغي ان تكون لدينا استراتيجية تكفل ان نستعيد الارض التي خسرناها في اسواق التصدير التقليدية وفي الوقت نفسه نحقق انجازا في الدول المستهلكة للشاي التي لم نتعامل معها من قبل. وخلافا للدول الاخرى المنتجة للشاي فإن الهند تزرع انواعا متنوعة من الشاي ابتداء من الشاي التقليدي المؤلف من ورقة كاملة مثل شاي دار جيلنج الفاخر الى الشاي الناعم المسحوق الذي ينتج في وادي اسامر وهناك انواع عادية ومتوسطة من الشاي تنتج في العديد من ارجاء الهند وخاصة في المناطق الجنوبية منها. ويوضح اس.اس اهوجا رئيس مجلس الشاي الهندي ان هذه الصناعة حدد لها هدف معين ينبغي ان تحققه وهو مليار كيلوجرام من الشاي وتصدير 265 مليون كيلوجرام بحلول عام 2003 والهند تنتج الان 810 ملايين كيلوجرام وتصدر 203 ملايين كيلوجرام. ويقول احد مسؤولي هذه الصناعة الهندية ان التحدي الحقيقي هو اننا يتعين علينا ان نرفع دخلنا من التصدير الى 600 مليون دولار بينما لايتجاوز هذا الدخل الان 432 مليون دولار وذلك في غضون خمس سنوات, بينما الواقع يقول انه لم يحدث ارتفاع في عائد الشاي الهندي من دولارات التصدير منذ سنوات بعيدة. ويضيف المسؤول نفسه اننا يمكننا ان نحقق هذا الهدف اذا تمكنا من زيادة صادرات الشاي في صورة قيمة مضافة, والشاي ذو القيمة المضافة يشكل 46% من صادراتها بحسب احصاءات 1997 وهو مايشكل تراجعا عن نظيره في 1996 والذي شكل 51%. وقد قام بعض منتجي الشاي الهندي بتشكيل كونسرتيوم لتسويق الشاي المعبأ في اكياس للاستهلاك الفردي الفوري في روسيا وهي اكبر سوق يصدر اليها الشاي الهندي, ويتابع الكونسرتيوم باهتمام كذلك الوضع في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق, وتحقق مجموعات مثل مجموعة تاتا للشاي نجاحا في تسويق شاي الاستهلاك الفوري في الولايات المتحدة وايرلندا والمانيا واليابان غير ان المصدرين الهنود اصطدموا العام الماضي بالكوابح التي فرضتها روسيا على شراء الشاي في ضوء الازمة الاقتصادية التي مرت بها. ويقول ب.ك سين رئيس مجلس ادارة شركة جي. توماس التي تعد اكبر شركة في العالم تتعامل في الشاي اعتقد ان الازمة الروسية لها عواقب اخطر على صناعة الشاي في سريلانكا منها في الهند, فوفقا لترتيب تجاري خاص يمكن للروس دفع ثمن الشاي الهندي بالروبية بينما يدفعون لسريلانكا بالدولار, ويسعى منتجو الشاي هناك الى الحصول على غطاء من شركات التأمين في حالة عجز روسيا عن دفع ثمن شايهم. ووسط جهود صناعة الشاي الهندية لمواجهة الموقف بما ترتب عليه من انخفاض اسعار الشاي جاء قرار الحكومة الاتحادية الهندية برفع القيود عن استيراد الشاي من الدول الاعضاء في مجموعة الآسيان وايضا بفرض ضريبة قدرها 8% على الشاي المخصص للاستهلاك الفوري الامر الذي جعل الصناعة تعيد ترتيب اوراقها من جديد بعد ان اختلت حساباتها. الالمنيوم ومن ناحية اخرى يرى المراقبون ان هناك صناعة هندية اخرى تظل بحاجة ماسة الى اعادة ترتيب اوراقها وهي صناعة الالمنيوم فالواقع ان الهند تضم واحدا من اجود واضخم احتياطيات البوكسيت والفحم على مستوى العالم, ومع ذلك فإن نصيبها من انتاج الالمنيوم العالمي لايتجاوز 3% فقط. والواقع ان الضوابط الحكومية المفروضة على الانتاج والتوزيع والأسعار والتي ظلت قائمة حتى بداية هذا العقد لم تساعد على اطلاق طاقة انتاج الألمنيوم في الهند وبصفة خاصة الألمنيوم المشغول. ويوضح أ.ك. أجاروالا رئيس شركة هندالكو وهي أكبر مجموعة للألمنيوم في الهند ان المسؤول الرئيسي عن تواضع معدل الاستهلاك الفردي من الألمنيوم في الهند هو النظام الذي ساد طويلا والخاص بالضوابط المفروضة على هذه الصناعة. ويقول انه لم يتم السماح لمنتجي الألمنيوم الأولي بتحقيق ما يكفي من الأرباح لتطوير استخدامات جديدة للألمنيوم, وقد أدت الضوابط والقيود المفروضة إلى اثناء عزم رجال الأعمال عن الانطلاق قدما في هذا المجال, ولكن مع إلغاء هذه الضوابط والقيود بدأت هذه الصناعة في اجتذاب استثمارات هائلة. وقد سمحت حرية التشغيل في هذه الصناعة وبقاء الطلب المحلي متقدما على العرض وضريبة مفروضة على الواردات من الألمنيوم معدلها 22%, سمح هذا كله لمنتجي الألمنيوم الهنود بالحصول على أرباح جيدة حتى عندما لم يحقق الاقتصاد الهندي في مجمله نتائج جيدة. ويقول أجاروالا إن ما يتعين الاقرار به هو ان المنتج الهندي هو منتج جيد للألمنيوم وللمواد الأساسية الداخلة في انتاجه. وعلى الرغم من المصاعب التي يواجهها الاقتصاد الهندي فإن شركة هندالكو رفعت انتاجها من الألمنيوم بمعدل 27% ليصل الى 57.897 طنا لتحقق أرباحا صافية بنسبة 38% لتصل الى 1.25 مليار روبية أي حوالي 29.25 مليون روبية في الأشهر الثلاثة المنتهية في يونيو 1998 وبحيث لم يبق لدى الشركة مخزون من انتاجها من الألمنيوم. ويوضح إس. إن. جوهري رئيس مجلس ادارة الشركة الوطنية للألمنيوم, وهي مشروع حكومي ان تكلفة الانتاج للألمنيوم هي 81 دولارا للطن وهو معدل يعد من أقل المعدلات على مستوى العالم ويرجع الى وفرة البوكسيت المتاح والذي يمكن استخراجه بسهولة ويضم نسبة عالية من الألمنيوم. وقد تمكنا من انتاج الألمنيوم بتكلفة تزيد قليلا على 1000 دولار للطن مقابل متوسط يصل الى 1230 دولارا من جانب المنتجين الغربيين. ويتابع جوهري قائلا: إن شركتي هندالكو ونالكو يمكنهما ان تقضيا على الاسطورة القائلة ان الهند على الرغم من ان لديها خامس أكبر احتياطي مؤكد من البوكسيت والمقدر بما يزيد على مليارات الاطنان ليست المكان المثالي لصهر هذا المعدن بسبب التكلفة العالية للطاقة, والفحم الهندي به معدل من الرماد بنسبة حوالي 30% ومع ذلك فإن المحطات الهندية التي تستخدم هذا الفحم تنتج الطاقة بتكلفة سنتين للوحدة وهو المعدل الذي يعد من أقل المعدلات على مستوى العالم. وتشكل الكهرباء نسبة 35% تقريبا من تكلفة انتاج الألمنيوم. وتجعل الحقيقة المتمثلة في ان شركة نالكو وهندالكو من أقل منتجي الألمنيوم في العالم تكلفة وكذلك وجود وعاء كبير من العمالة الهندية الماهرة ذات الأجر المنخفض نسبيا, كل هذا يجعل من الهند موقعا مفضلا لبناء المصاهر الخاصة بانتاج الألمنيوم. وتقوم الهند في الوقت الحالي بتصدير حوالي 575 ألف طن من الألومينا وحوالي 60 ألف طن من الألمنيوم سنويا.