اذا كانت محاولة رصد تطور العلاقات الاقتصادية بين الامارات والهند قد افرزت مجموعة من الحقائق الايجابية حول اداء الشركات الهندية ونشاطها وزيادة صادراتها فان السؤال الكبير الذي يفرض نفسه هنا هو : الى اي حد يشكل اداء الشركات الهندية العاملة في الامارات نموذجا يعبر عن اجمال اداء الشركات الهندية بشكل عام؟ هذا السؤال يتفرع الى مجموعة من علامات الاستفهام التي تتعلق بتضارب التقديرات حول المسيرة المستقبلية للاقتصاد الهندي, فالى اي حد تتسم بالدقة تحذيرات صندوق النقد الدولي من خطورة العجوزات المالية الهندية؟ والى اي درجة تتصف بالواقعية التقديرات المتشائمة حول معدل النمو المتوقع للاقتصاد الهندي والذي لا يتردد البعض في الهبوط بها الى 4.5%. ومن ناحية اخرى, هل يظل نصيب الهند من الصادرات العالمية على مستواه المتواضع الذي لا يتجاوز 0.06% وهل تستطيع الهند في المرحلة المقبلة تغيير الحقيقة القائلة بان الازمة الآسيوية قد اطاحت بــ 20% من الصادرات الهندية في مواجهة ضغوط قوية من الشركات الكورية والاندونيسية وغيرها من الشركات التي استفادت من الظروف المواتية المرتبطة بانخفاض قيمة عملات بلادها. وبالمقابل ماهي المقومات التي يستند اليها المسؤولون والمراقبون الهنود الذين لا يترددون في الاعراب عن تفاؤلهم الى حد توقع معدل نمو عن عام 1998 في الهند يتجاوز 7%؟ وهل هناك مجال لتوقع تغيرات كيفية في جهود الاصلاح الاقتصادية التي امتدت عبر ثماني سنوات حتى الآن؟ الى اي حد يمكن للهند ان تتجاوز مشكلاتها الهيكلية التي يحتل واجهتها تعقيد اداء البيروقراطية الهندية وفق عناصر البنية الاساسية واختراق الفساد لمستويات عديدة من التنظيمات والمؤسسات الهندية وتغلغل الفقر في العديد من ارجاء الهند؟ لا يتردد البعض في الاشارة الى التراجع الكبير لبعض الشركات العائلية التي سجلت خسائر بملايين الروبيات مؤخرا في قطاع المنسوجات والملابس بالمقابل يشير البعض الى صادرات شركات الكمبيوتر التي قدرت في العام 1997 بحوالي 1.7 مليار دولار والتي يتوقع ان تسجل قفزات كبيرة مع ظهور التقارير النهائية عن اداء 1998 ولكن اي الجانبين سيتعرض حضوره في المرحلة المقبلة؟ جانب التراجع؟ ام جانب النمو والانطلاق. من المسلم به ان صورة الاقتصاد الهندي هي صورة هائلة اقرب الى ان تكون بانوراما تحتشد بالعناصر والمؤثرات ومحاولة رصد ملامحها هي محاولة شائكة لا ينقصها التعقيد. وهذه الحقيقة هي نفسها التي تجعل من جهود الوصول الى الحقائق الاساسية في هذه البانوراما جهودا تستحق المتابعة والرصد والتدقيق. (البيان) ترصد هنا جانبا من جهود الخبراء التي تستهدف تبين ملامح المسيرة الاقتصادية المستقبلية للهند التي لاشك في انها ستترك اصداء قوية على امتداد منطقة الخليج العربي. متغيرات يجمع الخبراء على تأكيد ان العديد من العناصر قد جلبت اهتماما غير عادي من جانب العديد من الاطراف على امتداد الاقتصاد الهندي, وبعض هذه العناصر متعلق بالهند ذاتها كالمتغيرات التي أعقبت السباق النووي في شبه القارة الهندية والتحرك الذي ادى لاحقا الى رفع العقوبات الامريكية عن نيودلهي ولكن هناك عناصر اخرى جاءت من خارج الهند, فمن ذا الذي كان يقدر ان معدل النمو في اجمالي الناتج المحلي الهندي عند العام 1998 والمقدر متوسطيا بــ 5% سيجعل من الهند احدى ابرز دول اسيا في الاداء الاقتصادي اذا ما قورنت بالدول التي تعرضت للضغوط الهائلة النابعة من الازمة الاسيوية. وهم يشيرون الى ان الطبيعة المعلقة نسبيا للاقتصاد الهندي الذي تعثر في مرحلة سابقة قد جعلته يخرج من الاعصار الاسيوي من دون ان يلحقه ضرر تقريبا بينما ادى هذا الاعصار نفسه الى اضرار هائلة في العديد من ارجاء القارة الاسيوية. والواقع ان على الساحة الهندية يلمح المراقب انكسارا اقرب الى صدع عميق بين تيار المتفائلين وتيار المتشائمين حول مسيرة الاقتصاد الهندي, وهو انكسار يشمل المسؤولين والخبراء والباحثين بصورة كلية تقريبا. وربما يعبر ياشوانت سينها الذي تابع الكثيرون عن كثب أدائه في منصب وزير المالية الهندي بغير قليل من التقدير عن المتفائلين. ثلاثة أسباب ويطرح سينها ثلاثة أسباب محددة بنى عليها اعتقاده بأن الاقتصاد الهندي مقبل على مرحلة أداء قوي يقول انها ستجعله يختلف نوعيا عن مراحل سابقة, وهو يلخص هذه الأسباب فيما يلي: * ان الهند قد عرفت العام الماضي حصادا أفضل بصورة ملموسة من عام 1997 وهو العام الذي شهد تراجعا في الانتاج الزراعي, سواء بالنسبة للمواد الغذائية أو للمحاصيل غير الغذائية, بحيث تراجع النمو الزراعي بمعدل يصل إلى حوالي 6% وفي بلاد كالهند يبرز جانب كبير من الطلب الاستهلاكي من قلب القطاع الريفي. إن هذا يعد نكسة كبيرة, أما في العام الماضي فإن أداء الهند كان أفضل على الجبهة الزراعية الأمر الذي يعد مؤشرا بارزا يدعو للتفاؤل في المرحلة المقبلة. * شهدت الهند في العام الماضي نشاطا كبيرا في قطاع البناء والمقاولات بصورة مرتبطة بالمشروعات الكبرى, وخاصة المشروعات الاسكانية التي أجلت لفترات طويلة, الأمر الذي من شأنه توليد الطلب بالنسبة لقطاعات أخرى من الاقتصاد الهندي عرفت درجات متباينة من الركود مثل صناعات الصلب والأسمنت والسيارات غير المخصصة للاستخدام الشخصي, وقد تأثر الطلب الاستهلاكي إلى حد كبير بسبب غياب الطلب الريفي وهكذا فإن قطاع المنسوجات لم يشهد أداء جيدا للغاية وهناك بعض المشكلات في قطاع السلع الرأسمالية, وهناك قطاعات طالها تراخي الأداء, وكل هذه القطاعات ستبدأ في النشاط مع انطلاق الأداء في قطاع البناء والمقاولات. * بروز الشعور في الدوائر الاقتصادية بالارتياح لمسيرة الاقتصاد الهندي, وهذا الشعور كان ضعيفا في الماضي, وقد تردد المستثمرون في الهند وفي خارجها في القيام باستثمارات جديدة, ونوعية النشاط التي شهدها الاقتصادي الهندي قبل أربع سنوات بدت وكأنها قد اختفت, لكن الشعور بالارتياح لأداء الاقتصاد الهندي من شأنه ان يغير هذا كله, حيث يشعر الكثيرون بأن الهند لم تكن جزءا من الأرض التي مر بها اعصار الأزمة الآسيوية وأنها قطب مستقر للتنمية والتقدم الاقتصاديين في بيئة يبدو العمل في فيها صعبا للغاية. عناصر تتناقض غير ان هذه الرؤية المتفائلة للأداء الاقتصادي الهندي التي يطرحها سينها تصطدم بعناصر هي على النقيض من ذلك مباشرة, فقد حذر صندوق النقد الدولي من أن العجز المالي الهندي الذي توقعت الحكومة الهندية رسميا ان يكون في العام 1998 بحدود 5.6% من اجمالي الناتج المحلي هو أمر خطير العواقب, والعجز بالنسبة للقطاع العام لا يمكن ان يتواصل عند المستوى الراهن من غير ان يؤدي إلى عواقب وخيمة تنعكس على الأداء الاقتصادي الهندي في المدى الطويل. ولم يتوقف صندوق النقد الدولي عند هذا التحذير وانما مضى كذلك الى الاعراب عن شكوكه في امكانية ان تحقق الهند هدفها بالنسبة لمحاصرة العجز المالي, وقال ان الهند ينبغي ان تطلق برنامجا طموحا متوسط المدى يستهدف التأقلم مع الظروف الواقعية السائدة بما في ذلك التحرك على مستوى الحكومة المركزية وحكومات الولايات لخفض العجز في القطاع العام. ويرد سينها على تحذيرات صندوق النقد الدولي بالقول ان هذا الموقف ليس بجديد, وان الحكومة الهندية لم تدع ان العجز عن عام 1998 سيكون بحدود 5% او 4.5% وانما قدرته بحدود 5.6% وكل ما حاولت القيام به هو خفض هذا العجز بحدود نصف في المائة فقط لأن هناك حاجة للمال لانفاقه في اطار القطاع العام وعلى وجه التحديد في مشروعات البنية الأساسية, واذا لم تقم الحكومة الهندية بذلك فانه لن يكون هناك مجال لايجاد طلب في اطار الاقتصاد الهندي, فهي تواجه هنا خيارا دقيقا, وقد اختارت الانفاق بدلا من ضغط الانفاق. غير ان صندوق النقد الدولي لم يكن الجهة الوحيدة التي ارتفعت الاصوات منها بالانتقاد فقد نقل المحلل المتخصص في الشؤون الآسيوية بيتر مونتاجنون عن مصادر مطلعة في نيودلهي قولها ان اكثر التقديرات تشاؤما تشير الى ان معدل النمو في الهند عن العام الماضي يدور حول 4.5% الى 5% وان الحكومة الهندية نفسها تقدره بالمقابل بما يتراوح بين 6.5% الى 7%. واشار بيتر مونتاجنون كذلك الى ان قطاع التصنيع في الهند قد عرف مستوى نمو سنوي يصل الى 14% حتى اربع سنوات مضت, و لكنه هبط في العام 1997 الى مالا يتجاوز 6.1% في اطار مؤشر بالغ الخطورة. وقال برمشنكار جيها الذي يعد اكثر المراقبين الاقتصاديين تشاؤما في نيودلهي الى ان الهند تنزلق ببطء الى أزمة حقيقية, وذلك حسب اعتقاده نتيجة لقرارها بالدفاع عن قيمة الروبية وخفض معدل التضخم الامر الذي ادى الى سد الطريق على الاستثمار الذي تمس اليه الحاجة لتوليد طاقة تصدير تتسم بالكفاءة وبالتالي رفع معدل النمو الاقتصادي اجمالا. ولم يتردد جيها في القول بأن التفجيرات النووية التي شهدتها شبه القارة الهندية قد أدت الى آثار سلبية للغاية لدى المستثمرين على نحو قد يكون من المستحيل استدراكه وهو ما أدى بالفعل إلى صعوبة حصول الهند على تدفقات مالية أجنبية يعتد بها. وحسب تقدير بيتر مونتاجنون فإن الهند في الوقت الراهن تخاطر بالدوران في إطار حلقة جهنمية من النمو المتراخي والتضخم العالي وعجز الموازنة من شأنه أن يؤثر بالسلب على التوقعات بالنسبة لأداء نيودلهي الاقتصادي حتى بعد مضي وقت طويل من خروج الدول التي تأثرت بالأزمة الآسيوية من الاعصار الحافل بالخسائر الذي ضربها بعمق. أداء الصادرات ولكن بعيدا عن التفاؤل والتشاؤم إلى أي حد يبدو أداء الصادرات الهندية على أرض واقع الأسواق داعيا إلى الاعتقاد بأداء ايجابي مستقبلي؟ إن من المؤشرات الداعية لانزعاج الكثير من المراقبين لتطور الاقتصاد الهندي تأثير التراخي الراهن في الصناعة الهندية على الصادرات, فبعد أن شهدت هذه الصناعة نموا يعتد به في منتصف العقد الراهن عاد إجمالي الصادرات الهندية إلى الجمود بل والتقلص في العام المالي قبل الماضي بل شهدت الصادرات الصناعية الهندية تراجعا محدودا وهي الظاهرة التي ظلت ممتدة حتى الوقت الراهن. وقد أدى هذا إلى تساؤلات مثيرة للقلق في نيودلهي حول ما إذا كانت الاصلاحات الهندية قد أدت حقاً إلى تأثيرات عميقة على نحو ما كان معتقداً سابقاً, وهذه التساؤلات تبدو مبررة إذا تذكرنا أنه اليوم وبعد ثماني سنوات من انطلاق هذه الاصلاحات فإن نصيب الهند من الصادرات العالمية لا يتجاوز 0.06%. ويشير المراقبون إلى أن هناك أسبابا خارجية تكمن وراء التراخي في صادرات الهند, فقد أدت الأزمة الآسيوية الى انتزاع 20% من صادرات الهند, حيث قامت شركات من الدول التي تعرضت للأزمة باعتصار نصيب الشركات الهندية من الصادرات, وبصفة خاصة شركات الصلب الكورية وشركات الأسمنت الأندونيسية التي استفادت من خفض العملات الوطنية في كوريا واندونيسيا. وعلى الرغم من هذه الأسباب الخارجية فإن المحللين يشيرون الى وجود عناصر هيكلية تتعلق بالهند ذاتها, ومنها على سبيل المثال الضعف الواضح في وسائل نقل البريد الهندية وكذلك في عناصر البنية الأساسية في الموانىء الهندية, وكذلك الأداء المعقد للبيروقراطية الهندية وأيضا نظام الجمارك الهندي الذي يضرب الفساد في أطنابه. وهذه كلها تشكل عناصر ردع لنشاط المصدرين الهنود, ولكن هناك اهتمام كبير يوجه هذه الأيام إلى الشركات الهندية الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري لقطاع الصادرات الصناعية. ويقول بروفيسور ن.س.سيدارثان من معهد النمو الاقتصادي في هذا الصدد: ان الشركات الهندية الكبرى لا تقوم بالتصدير, وفي حقيقة الأمر فإنها مستورد صاف, والحكومة الهندية في حقيقة الأمر لا تعرف من هم المصدرون في الهند, وبالتالي فإنها تدعم الجواد الخاطئ. وهو يضيف ان الصادرات الصناعية تشكل 75% من اجمالي الصادرات الهندية, ولكن في هذا الاطار فإن الملابس والمنسوجات والمنتجات اليدوية تشكل 60% منها, وهي قطاعات تهيمن عليها الشركات الصغيرة. ويوضح الاقتصادي الهندي من حزب المؤتمر جيرام رامين ان أكبر شركة مصدرة للملابس في الهند لا يتجاوز عائدها 25 مليون دولار. ويقول سيدارثان ان الشركات الهندية الصغيرة تجد صعوبات أكبر مقارنة بالشركات الكبيرة في الحصول على الائتمان بشروط مقبولة وهناك نقص في التدفقات الرأسمالية الضرورية لمساعدتها على التوسع ولذا فإنها لا تستطيع بسهولة الوصول إلى الطاقة الاقتصادية الضرورية للانتاج بأفضل سعر أو الاستثمار في تقنية المعلومات التي يمكن أن تساعدها في التسويق وتنشيط مبيعاتها. وعلى العكس من ذلك فإن الصين شجعت على الاستثمار الأجنبي في مشروعاتها الصغيرة المخصصة للتصدير في القرى والبلدان. بينما أدى النموذج الهندي إلى تضييق آفاق نقل التقنية. ويقول القائلون بهذا الطرح ان الهند يمكنها الحصول على فوائد يعتد بها من عملية تحرير قطاع سلعها الاستهلاكية بشكل منظم وفقا لقواعد منظمة التجارة العالمية. التعريفات الجمركية ويشير المسؤولون في نيودلهي إلى انهم يعتزمون اصلاح نظام التعريفات الجمركية بهدف تقليل أقصى تعريفة جمركية إلى ما لا يتجاوز 18% ولكنهم لا يزالون يشعرون بالقلق حول امكانية تعريض الصناعة الهندية لقوى السوق العالمية. القدرة على المنافسة ويقول موهان جوردسوامي مستشار وزارة المالية الهندية: إننا نعتقد أننا ما نزال في موقف لا يمكن لصناعتنا الوطنية فيه الصمود في وجه المنافسة العالمية من دون حماية جمركية من نوع ما. ويحذر اقتصاديون غربيون من أن حوالي نصف قوة العمل الهندية لاتزال أميه وبالتالي فإن الهند لا يمكنها تقليد النموذج الصيني القائم على الاستعانة بالعمالة الصينية الماهرة في انتاج السلع الصناعية المخصصة للتصدير وبصفة خاصة في قطاع الالكترونيات. وهم يشيرون الى أن صادرات الهند من البرمجيات في قطاع الكمبيوتر على سبيل المثال لاتزال في حدود 7.1 مليار دولار فقط, وعلى الرغم من النمو الكبير الذي عرفه هذا القطاع في الهند إلا أنه لا يحتمل أن يسمح بأن تشهد الهند نوعية الزيادة الكبيرة في الصادرات التي عرفتها الصين على امتداد العقد الماضي. وهم يصلون الى استنتاج أن بمقدور الهند أن تحقق أداء أفضل لكنها لا يحتمل أن تصبح نمراً حقيقياً.