القت الاضطرابات التي شهدتها اسواق المال العالمية بظلالها على اداء حركة التجارة العالمية, فقد ادى التدني الاخير لاسعار بعض العملات وفي مقدمتها الين الياباني قبل ان يعاود الارتفاع مجددا إلى خسائر ضخمة لعدد كبير من رجال الاعمال العاملين في مجال الاستيراد والتصدير, ومصر من بين الدول التي تأثرت باضطرابات اسواق العملات العالمية, ودفع تجارها فاتورة فروق اسعار الصرف التي خلفتها اسواق العملات العالمية في الفترة الاخيرة, وتزامن ذلك مع تعرض بعض السلع المصرية لقضايا الاغراق سواء في الاسواق الداخلية أو الخارجية مما دفع الحكومة للتدخل لمحاولة نجدة حركة التصدير المصرية. ومع تلك الاضطرابات الاخيرة والمتلاحقة بدأ رجال الاعمال في البحث عن اسواق بديلة تكون في مأمن من كل تلك التقلبات وكان الاختيار الارجح أو شبه المتفق عليه هو اسواق القارة الافريقية, واتفق الخبراء على ان اسواق القارة السوداء تعد الافضل حاليا باعتبارها سوق بديلة عن الاسواق التي خرجت عن نطاق التحكم وامكانية الرجوع اليها في زمن قصير, والسؤال الذي يطرح نفسه حاليا: هل الاسواق الافريقية ملائمة فعلا لاستقبال البضائع والمشروعات الاستثمارية أم لا؟ (البيان ناقشت خبراء السوق المصرية حول انعكاسات الدخول إلى الاسواق الافريقية وامكانية التوسع فيها, وما يمكن ان تواجهه من منافسة من دول اخرى قد لا تقوى مصر حاليا على مواجهتها؟ يوضح الدكتور عبدالهادي سويفي عميد كلية التجارة بأسيوط الاوضاع الاقتصادية وانعكاساتها على حركة الاستثمارات في العالم في الوقت الراهن بقوله: يمر العالم حاليا بظواهر جديدة ومتعددة تتوافق حيناً وتتعارض احيانا فنشهد تعميقا وتوسيعا لظاهرة العالمية بما تتيحه من فرص وما تفرضه من تحديات, وبالتوازي مع ذلك نشهد ترسيخا للتوجه نحو اقامة التجمعات الاقليمية في مختلف مناطق العالم, وكل هذا مؤسس على تحرك عالمي نحو التحرير في مختلف المجالات من تجارة إلى مال واستثمار, ومن هنا فان عالمية الموضوعات وتداخلها تفرض ضرورة التعامل معها من خلال اطر دولية تنظمها لصالح المجتمع الدولي في مجموعه, وهو ما يستلزم الحرص على توزيع منافعها بشكل منصف خاصة بالنسبة للاطراف الاضعف في النظام الاقتصادي الدولي والعمل على تفادي مثالبها إلى اكبر مدى ممكن. اسواق منسية ويضيف الدكتور السويفي قائلا: في ضوء التلاحق المستمر للتطورات التي نشهدها في عالم اليوم فمن الحكمة ان نؤكد ان السرعة البالغة في التحرير يمكن ان يكون لها انعكاسات سلبية يجب تداركها وسيتطلب مواجهة تلك التحديات بالنسبة لمصر ان تتجه إلى افريقيا وتكثف التعاون مع تلك الدول (المنسية) خاصة في مجالي التجارة والاستثمار كما يتطلب تدعيم الحوار بين الشمال والجنوب بشكل واقعي وعملي لتحقيق الهدف المنشود الممثل في دفع عجلة التنمية في دول العالم النامي ودمجها في الاقتصاد العالمي. ويوافقه في الرأي محي قنديل رئيس شعبة المستثمرين باتحاد الغرف التجارية, ويضيف بان افريقيا بها مجالات عديدة للتعاون مثل الزراعة والتعدين وبعض الصناعات الصغيرة والمتوسطة, الا ان التجاوب المصري للدخول إلى تلك الاسواق لايزال اقل من المستوى المطلوب سواء على المستوى الحكومي أو القطاع الخاص, وذلك في الوقت الذي تسعى فيه عدد من الدول الكبرى بل واسرائىل ايضا إلى فتح مجالات للتعاون هناك وتدعيم العلاقات وتوسيع مجالاتها وتلبية احتياجات القطاعات المختلفة في التطور والتنمية, خاصة في مجال الزراعة والصناعات القائمة عليه. لماذا التردد؟ ويضيف قنديل قائلا: ان التعبير عن حب مصر لا يكون بالشعارات أو الاغاني أو القصائد الشعرية, لكن بالعمل على ارض الواقع وتوسيع نطاق التعاون والتواجد المصري في جميع دول العالم, وبخاصة افريقيا التي تعتبر سوق تجارية مهمة جدا بالنسبة لمصر لو احسن استغلالها والاستفادة من الرصيد الحضاري للوجود المصري في افريقيا, خاصة وان شعوب القارة ترحب بالموقف المصري معها في مواجهة التغلغل الاسرائيلي والاستغلال الاوروبي والامريكي, وتساءل قنديل قائلا: لماذ يتردد رجال الاعمال المصريون في الدخول إلى ادغال القارة السوداء المليئة بالخيرات؟ ويقول: من المؤكد ان هناك تخوفا من المغامرة في تلك الاسواق والتي لم يسبق لاحد الدخول اليها, خاصة وان غالبية رجال الاعمال في مصر يميلون إلى الاسواق التقليدية تخوفا من الاضرار برؤوس الاموال, مع ان افريقيا تعد من القارات المحدودة المخاطر وبها العديد من البلاد التي مازالت بكرا وتصلح لان تكون مركزا تجاريا لعدد من الدول المجاورة لها. ويختتم قنديل حديثه قائلا: لابد ان يسعى كل فرد في موقعه للعمل الجاد ويقوم رجال الاعمال بفتح اسواق لمنتجاتهم أو اقامة مشروعات انتاجية في افريقيا, خاصة وان التوقعات تشير إلى انها من الممكن ان تصبح من اكبر المراكز التجارية في العالم خلال القرن المقبل, كما يجب ان تكثف الاتصالات الرسمية بين مصر ودول افريقيا لدعم اوجه التعاون في كافة المجالات, خاصة وان الصندوق المصري للتنمية في افريقيا نجح بشكل كبير في بعض المجالات المشتركة مع عدد من الدول الافريقية, ويحتاج دعما اكبر مع مشاركة ايجابية من القطاع الخاص, كما ان مناخ الاستثمار في الدول الافريقية متشابه إلى حد كبير مع مناخ الاستثمار في مصر, ومن ثم فان امكانية الاستثمار بتلك الدول لن تواجهها صعوبات ضخمة خاصة وان عدداً كبيراً من الدول الافريقية يمنح مزايا عديدة للاستثمار في بلاده. اقتناص الفرصة ومن وجهة نظر مختلفة يتحدث الدكتور محمود عبدالفضيل استاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية قائلا: لا شك ان الظروف التي تجتازها حاليا تجربة النمور الاسيوية فضلا عن تراجع فكرة السوق الشرق اوسطية بسبب التجمد الذي تلاقيه عملية السلام, يدفعنا إلى اعادة الحسابات من جديد ويؤكد في الوقت نفسه على ان تعثر التجربة الاسيوية دون انطلاقة افريقية سوف يعني ان تجمعات العالم الثالث لن تقوم لها قائمة في العلاقات الاقتصادية الدولية, الامر الذي يجعل للتعاون الافريقي قيمة عالمية كبرى ومغزى دولياً يتجاوز بكثير حدود القارة الافريقية, ومن المحقق ان الدور المصري رئيسي في هذا الصدد, فالقارة الأفريقية أكثر من مجرد عمق استراتيجي لمصر وانما هي عمقها الحيوي. ويؤكد الدكتور عبد الفضيل أن الفرصة مواتية حالياً للجانب المصري لتوطيد العلاقات مع الدول الأفريقية, وإذا انتظرنا كثيراً فإن هناك من يتربص لاقتناص تلك الفرصة, خاصة وأن احتمالات الزيادة في حجم التجارة الدولية بين الدول الأفريقية والدول الصناعية المتقدمة تفوق التجارة بين الدول الأفريقية بعضها البعض والتي لاتزيد على 15% من إجمالي التجارة الدولية إلى افريقيا, ويأتي ذلك من عدة اعتبارات في مقدمتها المساعي الحالية بين الاتحاد الأوروبي وجنوب أفريقيا من أجل انشاء منطقة للتجارة الحرة تتيح لمنتجات جنوب أفريقيا وجيرانها من أعضاء الاتحاد الجمركي الجنوب أفريقي الدخول المتميز إلى أسواق الاتحاد الأوروبي. أمر حتمي ويختتم الدكتور عبد الفضيل حديثه قائلاً: أن استيعاب تجارب الآخرين في العالم الثالث أمر ضروري للتوصل إلى رؤية اقتصادية شاملة لمستقبل القارة الأفريقية ككل. فقد شهدت بداية النصف الثاني من هذا القرن انطلاقة البلدان الأفروآسيوية. وعلى الرغم من مضي سنوات طويلة منذ ذلك الحين حدث خلالها ماحدث, إلا أن عالم اليوم يشهد نموراً آسيوية, ولكنه لايعرف بالمقابل أسوداً أفريقية, وذلك على الرغم من أن الثروات الطبيعية في القارة الأفريقية لاتقل عنها في بلاد النمور. ومن ثم فإن الاتجاه المصري إلى التغلغل داخل الأسواق الأفريقية أمر حتمي وضروري تفرضه الظروف الحالية كما أن السوق المصرية يعد حالياً في حاجة ماسة إلى فتح أسواق جديدة تكون بديلاً عن الأسواق التي تضررت من الأزمات الاقتصادية السابقة التي اجتاحت بلدان العالم. اما الدكتور أحمد الغندور رئيس مجلس إدارة بنك مصر الأفريقي الأسبق فيرى أن انخفاض أسعار العملات الأجنبية مع ثبات قيمة الجنيه المصري يعني زيادة قدرة بلاد هذه العملات على منافسة الصادرات المصرية في الأسواق الخارجية مما يؤثر على قيمة الصادرات. ويتوقف الأمر هنا على مدى تماثل صادراتنا إلى الأسواق الخارجية مع صادرات البلاد ذات العملة المتدهورة, ومن ناحية أخرى فإن انخفاض أسعار صرف هذه العملات مع ثبات قيمة سعر الجنيه المصري سيؤدي إلى انخفاض أسعار الواردات من بلاد العملات المتدهورة مقارنة بقيمة العملة المحلية مما يؤدي إلى زيادة وارداتنا من هذه البلاد وسيؤثر في الوقت نفسه على المنافسة داخل السوق المحلية نظراً لفروق الأسعار. ويضيف الدكتور الغندور قائلاً: عند مناقشة الصادرات المصرية يجب أن نأخذ في الحسبان أن أسعار العملات تتقلب دائماً, ولذلك فالعبرة في المنافسة ليست فقط في السعر وإنما بالجودة, ولذلك فإن مستقبل الصادرات يتوقف في المقام الأول على الجودة سواء كانت هذه الصادرات رخيصة أو غالية, وأرى أن هذا الأمر في حاجة إلى وقت لأننا اعتمدنا على أننا بلد رخيص الأسعار, واعتقد أن هذا التصور يجب أن ينتهي لأن اسواق الصادرات تضيق بمرور الوقت, خاصة وأن السوق الأوروبية التي تعد السوق التجارية الأكبر الذي نتعامل معه يتفنن في وضع شروط ومواصفات معينة خاصة بالمنشأ ونسبة المواد الضارة بالبيئة وغيرها من الشروط التعجيزية التي تقف وراءها مؤسسة التجارة العالمية لذلك فالقضية لم تعد مشكلة مصر وحدها وإنما قضية كافة الدول النامية, ومن هنا تكمن أهمية حركة دول عدم الانحياز باعتبارها المؤسسة التي تضم أغلب الدول النامية, ومن حسن الحظ أن مصر مشتركة في مجموعة الـ 15 التي تعتبر طليعة هذه الدول, وما يهمنا ألا يقتصر الأمر على التنسيق بين هذه الدول بل يمتد إلى 114 دولة الأعضاء في مجموعة عدم الانحياز. الأسواق الأفريقية .. والعربية ويتساءل الدكتور الغندور لماذا لم ننجح حتى الآن في تعزيز صادراتنا دولياً؟.. ويؤكد إنه لاسبيل لذلك سوى تنشيط عملية التصدير مع الأسواق الأفريقية والعربية وأن نتوقف عن الحديث عن الشراكة الأوروبية والأمريكية لانها ستؤدي إلى دخول منتجات هذه الدول إلى السوق المحلية التي لاتقوى على المنافسة حالياً. واعتقد أن هذا الوضع لايمكن لمصر وحدها أن تقوم به بل يجب أن تخوض هذه العملية بالتنسيق المطلوب على المستوى العربي والأفريقي ومستوى العالم الثالث, مع التأكيد على أن القضية في الأساس هي قضية جودة وليست أسعار فقط, وأقرب مثل على ذلك الصين التي تمكنت من تقديم منتجات جيدة بعشر أسعار المنتجات المثيلة المعروضة في العالم, دون أن تتحالف مع شركاء من أوروبا أو أمريكا أو الدخول في تجارب الخصخصة, بل خاضت تنمية حقيقية واتصالات جادة مع نقاط التجارة العالمية. القاهرة ــ (البيان) ــ أحمد صفي الدين