ما حدث في البرازيل الاسبوع الماضي واثار دهشة العالم بقيامها بتخفيض العملة فانه يشبه الى حد ما حدث في فترة الاربعينات فقد كان الناس في ذلك الوقت يحاولون اقناع انفسهم بشكل زائف ان فترة الهدوء يمكن تجنبها, ولكن ما كان يحدث دوما هو عكس الامنيات . فبعد هزيمة بولندا عام 1939 اعلنت كل من بريطانيا وفرنسا الحرب على المانيا, ولكن برغم ذلك فان ايا من الطرفين لم يكن راغبا في القتال, وعلى هذا النحو, فان الاوضاع الاقتصادية العالمية خلال الاشهر الماضية قد اثارت نوعا من التفاؤل (فالاسوأ قد انتهى) والاوضاع شهدت استقرارا نسبيا او على الاقل هذا ما بلغنا به وفي بداية الاربعينات, كان يفكر الفرنسيون والبريطانيون بهذا النمط المتفائل, واعتقد اننا نفكر الامر نفسه. ان القوى المؤثرة على الاقتصاد العالمي والتي تبعث على التشاؤم مازالت مستمرة ولعل ابرزها انسحاب استثمارات البنوك الاجنبية وصناديق الاستثمار والشركات العالمية من الاسواق الناشئة, يليها الهبوط الحاد الذي شهده احتياطي العملات الاجنبية في البرازيل اذ هبط من 73 مليار دولار الى النصف, ويشار هنا الى ان انسحاب الاستثمارات الاجنبية يجعل العديد من الدول غير قادرة على سداد فواتير وارداتها. وبالاضافة الى هذه العوامل فثمة مخاوف من انهيار التجارة العالمية التي شهدت نموا نسبته 2.7% سنويا خلال الفترة ما بين 1990 وعام 1995 الا انها انخفضت بنسبة 5.8% عام 97. ويتوقع ان تكون نسبة انخفاضها 4.1% عام 98, كما شهدت اسعار السلع انخفاضا اثر سلبا على اسعار المواد الخام ومن ثم اضر بالصادرات وذلك منذ منتصف عام 97 حين بدأت الازمة, وانخفضت اسعار النفط بنسبة 40% لتضر بشكل كبير عدة دول منها روسيا والمكسيك والمملكة العربية السعودية, وليست وحدها اسعار النفط التي شهدت انخفاضا فقد انخفضت اسعار القهوة عالميا بنسبة 44% لتترك اثارها واضحة على البرازيل وكولومبيا, والى جانب القهوة فقد انخفضت ايضا اسعار النحاس بنسبة 41% لتضر بشيلي. لكن ما حدث في البرازيل سيلقى بظلاله حتما على جميع دول امريكا اللاتينية, فمن الطبيعي ان تنخفض واردات البرازيل من الدول المجاورة الامر الذي سيؤثر سلبا على دول امريكا اللاتينية, علما بان اقتصادات هذه الدول كانت قد سجلت نموا نسبته 5% عام 1997. هذه التأثيرات السلبية تمتد ايضا لتطال الولايات المتحدة الامريكية اذ تبلغ صادراتها لامريكا اللاتينية 20% من اجمالي صادراتها في مقابل 6% فقط لاوروبا مما يعني بان الصادرات الامريكية ستعاني ايضا. وليست وحدها الصادرات الامريكية بل جميع المصارف الامريكية وكبريات الشركات العالمية التي لديها استثمارات في المنطقة وخصوصا في ظل الهبوط الحاد الذي شهدته اسعار الاسهم عالميا. واثارت ازمة البرازيل المخاوف مجددا بان الاقتصاد العالمي يدار بطريقة سيئة ولا تبعث على الاطمئنان وانه ليس محكم السيطرة. وبحسب الخبراء الاقتصاديين فان المشكلة الحقيقية التي عانت منها البرازيل هي تضخم عملتها للدرجة التي اصبحت معها قيمة العملة مبالغ فيها, فالصادرات باهظة الثمن, اما الواردات رخيصة جدا للدرجة التي ارتفع معها العجز في الميزان التجاري وحدثت الكارثة. وما قامت به البرازيل هو محاولة الحفاظ على اسعار فائدة ما بين 29% و50% خلال الاشهر الماضية الامر الذي قاد اقتصادها الى حالة كساد على الرغم من مساندة صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة الامريكية الا ان ذلك لم يمنع من مغادرة الاستثمارات الاجنبية التي لم تعد تؤمن بجدوى الاستثمار في ظل معدلات الفائدة البرازيلية المرتفعة. ان النقد بناء وفي حقيقة الامر فان الولايات المتحدة وصندوق النقد كانا يسعيان جادين لتجنب كارثة تخفيض العملة في البرازيل خوفا من حروب الاستثمارات الاجنبية. هذه الكارثة تهدد العديد من اقتصادات الدول الناشئة التي تسمح لها الاستثمارات الاجنبية في بلدانها بالاستيراد اكثر من طاقتها الامر الذي ينعش اقتصادات الدول المصدرة كاليابان والولايات المتحدة واوروبا, ولكن مع التباطؤ والانخفاض الذي يشهده الاقتصاد العالمي فانه لايوجد حل واضح لهذا الوضع, وليست وحدها البرازيل المشكلة الرئيسية, فالاقتصاد الياباني مازال يعاني من حالة ركود والاقتصادات الاوروبية في حالة ضعف رغم حالة الاقتصاد الامريكي التي تبدو جيدة بسبب ثقة المستهلك الامريكي, لكن المخاوف من المستقبل كثيرة ويجب ان ننتظر عما ستسفر عنه الاشهر القليلة المقبلة. خدمة الواشنطن بوست