باديء ذي بدء أحب أن أنبه على أن كلمة (عمالة) كلمة غير صالحة في إطار الحديث عن اقتصاديات العمل ويفضل القول (القوة العاملة) والحقيقة نجد أن توطين القوة العاملة في الدولة بدأ جوه يسخن في هذه الأيام حيث تزداد ضغوطات المجتمع والأهالي من جراء وجود أعداد متزايدة من خريجي الجامعات في مختلف التخصصات العلمية يحملون شهاداتهم التي سهروا عليها الليالي الطوال, فيطرقون أبواب القطاع العام والقطاع الخاص, وقلما يجدون تجاوباً يتفق ومؤهلاتهم العلمية. وبالطبع الخريج الذي يمتلك جواز (الواو) يمر بسرعة مذهلة إلى الوظيفة بغض النظر عن تخصصه أو مستواه العلمي أو نوعية شخصيته, وهذا واقع لانستطيع نكرانه بل يجب أن نعمل على معالجته. وأنا لا أطرح هذه النقطة من باب السخرية والاستهزاء فأنا جزء من هذا المجتمع وكل مايعيبه يعيبني أيضاً, ولكنني أطرحه من باب الحرص على ضرورة ايجاد حلول عاجلة بالفعل لهذا الداء الخطير الذي استشرى في المجتمع وبه أيضاً. والحقيقة أن مانريد أن نوضحه في هذه العجالة أن التركيز في التوطين يتجه الآن الى القطاع المصرفي. ونحن بلاشك مع هذا التركيز ومع هذا التوجه, فالقطاع المصرفي قطاع حيوي وأن التوطين فيه يعتبر امتداداً طبيعياً لمبدأ سيادة الدولة وليس فقط مجرد توطين وظائف كما ذكرت ذلك في أكثر من مناسبة. وحتى القرآن الكريم حذر من اعطاء الأموال لغير المؤهلين لحملها واقتنائها قال تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما). والقطاع المصرفي هو خزينة المجتمع الحاوية لأكثر من 80% من مدخراته, وبالتالي فلابد من أن تكون تلك المدخرات في أيدي أبناء المجتمع أنفسهم لتستغل استغلالاً حسناً ولصالح الاقتصاد الوطني. غير أن التركيز في عملية توطين الوظائف على القطاع المصرفي دون غيره قد يقودنا الى خلل هيكلي في عملية التوطين وقد لاندرك مداه وأبعاده إلا بعد فترة من الزمن. فهناك في الحقيقة قطاعات أخرى بحاجة ماسة الى أن يتم التركيز عليها بصورة لاتقل أهمية عن القطاع المصرفي ومن تلك القطاعات قطاع الإعلام. فالإعلام يرتبط بشكل مباشر بسيادة الدولة وهو مرآة تعكس السياسات العامة والسياسات الاقتصادية للدولة وهو لسان حال المجتمع أيضاً. ومن الممكن جداً أن يربط بين إظهار السياسة العامة للدولة ووجهات نظر الجماهير معاً خصوصاً, إذا كانت الجماهير تحب القيادة وترضى بسياستها الرشيدة كما يحدث عندنا في دولة الامارات. وفي الحقيقة نرى أنه في حين تذهب بعض الصحف المحلية لتقطع شوطاً كبيراً في عملية توطين القوة العاملة على الرغم من كونها صحفا حديثة النشأة نسبياً نجد بالمقابل صحفا أخرى لاتتبنى سياسة التوطين إلا بالنشر النظري والحديث عن التوطين ولكن في أرض الواقع نجدها هي ذاتها لاتتبنى سياسة التوطين. على الرغم من أن بعضها قديم النشأة نسبياً ولم نستطع في الحقيقة إيجاد منطق علمي لتفسير تلك السياسات المتناقضة سوى ايمان تلك الصحف بأن منطق الربح وضغط التكاليف هو منطق القطاع الخاص. هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى المحافظة على السياسة العامة لتلك الصحف على الرغم من أن بعضها لايخدم السياسات العامة ولا السياسات الاقتصادية الوطنية بقدر ما يخدم القضايا والسياسات الخارجية للدول الأخرى. وفي الوقت ذاته نجد أيضاً التلفزيون, وعلى الرغم من استضافته لبعض الحلقات العلمية واللقاءات الهادفة الى توطين الوظائف وتبنيه لبعض البرامج الهادفة الى التأكيد على أهمية سياسة توطين الوظائف إلا أن درجة استيعابه هو الآخر للخريجين المواطنين محدودة للغاية. ولانستطيع أن نعمم تلك الظاهرة على كافة التلفزيونات, ولا نلوم بها احدا بعينه. ولكننا نلاحظ في الحقيقة إنه في حين تتبنى بعض التلفزيونات والاذاعات سياسة التوطين بالفعل وتعمل على تحقيقها واستقطاب الكفاءات الوطنية نجد تلفزيونات أخرى واذاعات تفعل على عكس ما تقول تماماً, فهي تفتقر بالفعل الى أي سياسة أو برنامج أو خطة للتوطين. بل أن التوطين لايخطر على بالها اطلاقاً. ولن نكون مبالغين إذا قلنا بأنها تنظر إلى التوطين على أنه زيادة في التكاليف وانخفاض في هامش الربح وهو لايتناسب مع منطق القطاع الخاص من ناحية. ومن ناحية أخرى سوف يعمل التوطين على تغيير السياسات الاعلامية والبرامجية المتبعة في تلك التلفزيونات والتي تعرض في الحقيقة باسم الدولة لا باسم القطاع الخاص. ونحن نرى أن سياسة التوطين في المجال الاعلامي كله سواء أكان قطاعاً خاصاً أم قطاعاً عاماً يجب أن تفرض بقوة القانون لأن هذا القطاع قطاع يرتبط هو الآخر بسيادة الدولة ويعبر عن السياسة العامة للدولة وهو لسان حال المجتمع وليس مجرد شركات قطاع خاص تتحدث بمنطق الربح والخسارة. إن التوطين في هذا القطاع يصبح مطلبا وطنيا ملحا سوف يعمل على تسخير هذا القطاع لخدمة المجتمع بالطريقة التي يريدها المجتمع. وان المتمعن بالبرامج التي تطرحها وسائل الاعلام لدينا يدرك ادراكاً يقيناً مدى حاجة المجتمع الى ذلك.