بيرسي كامب, هو خبير في الدراسات النفطية ويعمل مديرا لمركز تاكتكيل لدراسات الشرق الاوسط بباريس ويهتم هذا المركز بتقييم المخاطر السياسية والتجارية التي يمكن ان تواجه الشركات النفطية العاملة في الشرق الاوسط وافريقيا واسيا الوسطى.. التقينا بالخبير الفرنسي بيرسي كامب وطرحنا عليه جملة من الاسئلة التي تخص الازمة الحالية تعصف بالبلدان المنتجة للنفط . وقد صرح كامب بأنه ينبغي على الدول العربية تبنى استراتيجية جديدة مع سلسلة الاندماجات بين الشركات العالمية في مجال النفط وان انخفاض الاسعار الحالي ينبغي ان يدفع في اتجاه التكامل الاقتصادي العربي وفيما يلي نص الحوار: آثار ماهي الآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية لانخفاض اسعار النفط على دول الخليج العربي في نظركم؟ ــ مما لاشك فيه ان لازمة اسعار النفط الحالية سلبيانها, ومن حيث الاساس ما تسببه من عجز في الميزانية, ولكن لي نظرة تتضمن بعض الايجابيات! كيف؟.. انني اعتبر هذه الازمة شبيهة للصدمة البترولية التي تعرض لها العالم في اوائل السبعينات في اوجه عديدة وبالدرجة الاولى, جعلت العرب يدركون ان النفط يمكن ان يتحول الى اداة سياسية واقتصادية تستخدم في تحقيق بعض الاهداف المرجوة والمفيدة للمنطقة, وقد جعلت هذه الازمة العرب يشعرون بأنهم ليسوا مجرد رقم ساقط لاحساب له.. فالازمة النفطية الحالية قادرة على خلق هزة في الذهنيات, وتدفع العرب الى اتخاذ اجراءات كانوا يترددون في تنفيذها واعتبر ان هذا المنعطف, اذا تم التعامل معه بطريقة ايجابية, قادر على تحسين اوضاع البلدان العربية المنتجة للنفط في الاسواق العالمية. ما هي الطريقة الايجابية التي يجب ان تتبعها البلدان العربية المنتجة للنفط مع هذه الازمة؟ ــ قصدي من ذلك ان الصدمة النفطية لعام 73 برهنت على ان النفط سلاح سياسي بيد العرب لمواجهة اعدائهم آنذاك, وبالطريقة ذاتها, فان ازمة اسعار النفط الحالية يمكن ان تحول النفط العربي الى اداة تكامل اقتصادي وسياسي بين البلدان العربية وبين البلدان الصناعية الصديقة للعرب ولأول وهلة ننظر الى مسألة انخفاض وهبوط اسعار النفط ما تسببه في انخفاض ايرادات البلدان العربية ولكن ما ينبغي ان ينظر اليه بطريقة اقل, هو حسابات الدول المستوردة للنفط وحسابات الشركات النفطية, عندما ينخفض سعر النفط الى 9 دولارات للبرميل الواحد, تبدأ شركات النفط التفكير بحجم الكلفة, وتحاول تجنب الاستثمارات الضخمة التي تكون فيها كلفة الانتاج عالية او الاوضاع السياسية قلقة وغير مستقرة, اذا نظرنا الى الدول المنتجة للبترول نجدها تتمتع بالكلفة الاصغر للانتاج.. اذن في هذه الحالة, تفكر الشركات الكبيرة تجنب البلدان الهامشية التي تكون فيها كلفة الانتاج عالية, صحيح ان هناك تخوفا في (الدورادو) اوجنة بحر قزوين, الا ان الازمة الحالية تجعل الشركات الكبيرة تعيد حساباتها بشكل دقيق في الاستثمار والانتاج لصالح الاهتمام بدول تكون كلفة الانتاج قليلة. ويتطلب هذا المنعطف بتقديري الابتعاد عن النظرة السائدة منذ الستينات بان النفط ثروة مقدسة لايجوز ادخال احد فيها وهذه ليست متأتية من الايديولوجية الاشتراكية فحسب بل موجودة ومنتشرة في دول عربية عديدة مثل الجزائر التي لم تسمح للشركات الاجنبية للعمل فيها الا مؤخرا. آليات التعامل ما هي آليات التعامل مع الشركات النفطية الاجنبية؟ ليس النفط, في نظري الا وسيلة للحصول على ايرادات للشعوب العربية من اجل سيادتها وتسليحها والدفاع عنها. لابد اذن للبلدان العربية ان تكون واعية لما يحدث في الشركات النفطية الاجنبية وبالتحديد من عمليات الجمع والاندماج التي تخلق شركات عملاقة ذات وزن شبيه بوزن الشركات الوطنية الكبرى مثل ارامكو, وادنوك, وسونطراك, وغيرها وذلك ما نشهده حاليا من اندماج شركة بي بي مع شركة اموكوالامريكية, واندماج شركة اكسون مع شركة موبيل, وكذلك اندماج شركة توتال الفرنسية مع بتروفينا البلجيكية. الاندماج والاستراتيجية ماهو تأثير اندماج شركات النفط الكبرى على عملية الاستثمار النفطي في البلدان العربية؟ ــ منذ الستينات, وحتى اواخر التسعينات كانت الشركات الوطنية تسيطر على سوق النفط.. نيوك الايرانية وارامكو السعودية وسونطراك الجزائرية.. الخ وبالمقابل كانت شركات النفط الاجنبية, رغم كبرها وقوتها وانتشارها العالمي, تعتبر اقزاما امام هذه الشركات الوطنية واليوم ومع انخفاض اسعار البترول واندماج الشركات العالمية بعضها بالبعض الآخر, فان شركات مثل اكسون وبي بي يمكن ان تتحدث الند للند مع الشركات الوطنية العملاقية, وتدخل معها, الند للند, في عمليات واتفاقيات الانتاج المشترك, اذن والحالة هذه لابد للبلدان العربية المنتجة للنفط ان تكون واعية لما يحصل في الشركات العالمية وتختار ما بينها للعمل بطريقة سليمة وتتبنى استراتيجية جديدة قبل كل شيء يجب ان تكون هذه الشركات على قدر كبير من الاهمية, واما التعاون معها فيتم على اساس ادخال التقنيات الجديدة والمتقدمة الى البلدان العربية لابد اذن من وجود علاقة عضوية او غير مباشرة بين الشركات الاجنبية والبلدان العربية التي تعتبرها اسواقا لها وشريكا اقتصاديا في الوقت نفسه على سبيل المثال, ان المملكة العربية السعودية تعطي الافضلية الى الشركات الامريكية للاستثمار لانها تحرص على المحافظة على حصة معينة من السوق النفطي الامريكي لان فنزويلا تهدد النفط السعودي. الا تعتقد بأن الشركات الكبرى ستتجه الى شراء النفط العربي لان تكاليف انتاجه اقل؟ ــ ثمة بلدان ستتهمش في هذه العملية لان سعر الانتاج النفطي مرتفع للغاية مثل شركات النفط الفرنسية غير قادرة على الحضور لا على صعيد التركيبة المالية ولا على صعيد الحجم, اما الشركات اليابانية فيمكن لها ان تأخذ دورا كبيرا لان السوق الطبيعية لنفط الخليج هي اوروبا واسيا وذلك لسهولة النقل, ولكننا نجد بان الشركات اليابانية, وللاسف, محاطة بالغموض في تعاملها مع العرب اي ان صورتهم مازالت غير واضحة عند العرب, يبدو لي ان الامريكيين والبريطانيين هما المؤهلان للافادة من هذا المنعطف الجديد مثل اكسون وبي بي واموكو وشيل, اذن ينبغي على العرب تنويع شراكاتهم الاقتصادية والتجارية والنفطية كي لايتعرضوا الى اية نكسة. الاقتصاديات الوطنية ماهو تأثير انخفاض اسعار النفط على الاقتصاديات الوطنية في البلدان العربية؟ ــ ان التنويع على صعيد الزراعة والصناعة لايمكن ان يكون الا ضئيلا امام الواردات النفطية الضخمة ان تجربة التنويع الوحيدة هي التجربة المالية بمعنى كيف يمكن استثمار ايرادات النفط في مجالات صناعية وتجارية ومصرفية خارج البلد, لدينا التجربة الكويتية (هيئة الاستثمارات الكويتية) وتجربة ابوظبي (هيئة استثمارات ابوظبي) اللتان تعرضتا الى هزات عنيفة وحادة ومع تخطي هذه الهزات, فانها تجعلنا نفكر بالتنويع الذي يأتي من النفط نفسه وليس خارجه اذ يجب ان تعتمد سياسة التنويع على منتجات النفط البتروكيميائيات, الطاقة, تشجيع الصناعات المستهلكة للطاقات مثل الالمنيوم. هل بامكان الدول العربية المنتجة للنفط التنسيق بينها من اجل مواجهة الشركات العملاقة العالمية, وخاصة الامريكية؟ ــ يسعى المشروع الامريكي الى فتح خط نفط بين باكو وجيحان في تركيا لنقل نفط قزوين الى اوروبا, الامريكيون مصرون على اقامة هذا الخط لاسباب جيو استراتيجية, لتعزيز موقع تركيا بوجه روسيا من ناحية وايران من ناحية اخرى, لكن كلفة هذا الخط باهظة وبالرغم من الضغوطات الامريكية لاتزال جميع الشركات العالمية مترددة في الدخول. هذا الميدان الاستثماري بتقديري ان دول الخليج مثل الامارات, الكويت, السعودية, ايران والعراق, اذا مانسقوا فيما بينهم, يكونون المستفيدين الاساسيين من هذه الازمة النفطية على حساب منتجين آخرين مثل فنزويلا ونيجيريا وروسيا حيث الشروط كلها غير متوفرة, فمثلا يمكن ان تكون في هذه البلدان الكلفة ضئيلة لكنها تعاني من عدم الاستقرار السياسي مثل روسيا او في بعض البلدان يتوفر فيها الاستقرار السياسي ولكن نسبة الانتاج عالية.. وروسيا لاتوجد فيها قوانين مثلا.. اذن دول مجلس التعاون الخليجي تعتبر في وضع جيد لكن الصعوبة الاساسية ان معظم ايرادات هذه البلدان مثل السعودية والكويت وايران والجزائر من النفط بوجه محصور مما تصطدم ببلدان صناعية نامية في المستقبل. باريس ــ شاكر نوري