تلقت غرفة التجارة والصناعة في الدولة تقريرا شاملا حول مؤتمر فرص الاستثمار في الجزائر (الشراكة الخليجية الجزائرية) الذي عقد في البحرين مؤخرا حيث جاء عقد المؤتمر في اطار متابعة التعرف على المتغيرات التطورات في الدول العربية والمستجدات الاقليمية والدولية المؤثرة عليها . وعني المؤتمر بالتركيز على التطورات الايجابية التي يشهدها الاقتصاد الجزائري بما في ذلك إلقاء الضوء على معدلات النمو المرتفعة التي جرى احرازها وكذلك على الجهود المبذولة من الجهات الجزائرية لترويج وتشجيع الاستثمار والاقلاع عن الخطوات التي اتخذتها الحكومة الجزائرية لتحرير الأسواق وإزالة القيود وتوفير الحوافز لجذب الاستثمار. أداء الاقتصاد استعرض المؤتمر وضع الاقتصاد الجزائري منذ الاستقلال واستمراره على مدى عقدين ونيف من الزمن منتهجا التخطيط المركزي وهيمنة الدولة على الأنشطة الاقتصادية, وصولا إلى مرحلة اختلال حرج عام 1986, تعمق مع تدهور الأسعار الهيدروكربونية التي كانت تمثل أكثر من 95% من قيمة الصادرات وحوالي 62% من ايرادات الدولة, وتفاقم الوضع الاقتصادي عام 1993 عندما بلغت الالتزامات السنوية لخدمة الدين للدولة الجزائرية حوالي 86% من مجمل قيمة حصيلة صادراتها. واستعرض المؤتمر كذلك برامج الاصلاح الاقتصادي التي تبنتها الدولة لتحقيق الاستقرار من خلال حزمة من السياسات والاجراءات, وكذلك من خلال السيطرة على سعر الصرف وتحسين ادارة المديونية الخارجية والنهوض بكفاءة ادارة الطلب بوجه عام. ولاحظ المؤتمر بكثير من التقدير التحسن الهائل الذي طرأ على الوضع الاقتصادي في البلاد, والذي فاق توقعات مصممي برامج الاصلاح, متمثلا في احراز معدل نمو بلغ 2.5% عام 1997, ويقدر ان يصل معدل النمو إلى 3.5% بنهاية عام 98, مع تحول الميزان المالي من عجز بلغ 9% من الناتج المحلي الاجمالي عام 1993 إلى فائض بلغ 2.4% عام 1997, وتراجع في معدلات التضخم وارتفاع في الاحتياطيات الرسمية من النقد الأجنبي خلال الفترة. ولاحظ المؤتمر تنامي حجم القطاع الخاص إلى حوالي 45% من النشاط الاقتصادي الذي نتج عن اتخاذ الدولة الجزائرية حزمة من الاجراءات تجاه ارساء قواعد الاقتصاد الحر. وفي اطار تدني الصادرات الجزائرية إلى الدول العربية بالرغم من جودة كثير من المنتجات الجزائرية وتنافسيتها, لاحظ المؤتمر ان المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف المهارات التجارية الناتج إلى حد كبير عن هيمنة ثقافة التخطيط المركزي والادارة الحكومية لانشطة الانتاج والتوزيع, ورأى المؤتمر ان النهوض بالمهارات التجارية في الجزائر من شأنه ان يمثل محورا هاما من المحاور التي تتطلب عملا مكثفا لانجاح عملية التحول الاقتصادي, وبما يمهد لآفاق الشراكة الجزائرية الخليجية في هذه المجالات. مناخ الاستثمار بحث المؤتمر الأوضاع المتعلقة بمناخ الاستثمار في الجزائر, وعبر المؤتمر عن قناعته الراسخة بأن التحسن الواضح في الأوضاع الاقتصادية الذي تعكسه نسب النمو, وانحسار العجز, وكبح التضخم, واستقرار سعر الصرف, سيمكن الاقتصاد الجزائري من الانطلاق في آفاق النمو الرحبة. واعتبر المؤتمر ما جاء في مداخلات صندوق النقد العربي والشركة العربية للاستثمارات البترولية والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار بمثابة شهادات مستقلة عن سلامة الأوضاع الاقتصادية في البلاد. كما اعتبر ان حجم السوق المحلي في الجزائر, ومستويات الاستهلاك, والانفتاح على أوروبا الموحدة وأفريقيا وكذلك الجهد المبذول في تكوين الأطر وتعميق التقنية, والترتيبات الانتقالية المتخذة من قبل المجلس الوطني لمساهمات الدولة وتلك المتعلقة بسوق الأوراق المالية والقيم المتداولة, واقرار نظام غرف التجارة وعلاقتها المتزايدة مع نظيراتها في الخارج, والاجراءات الخاصة بالتصرف في مؤسسات القطاع العام وفقا لما تقتضيه سياسة التحول, تشكل جميعها عناصر متكاملة تعكس الجدية التي تنتهجها الدولة الجزائرية في توفير مكونات البيئة الجاذبة للاستثمار الأجنبي. القطاع المصرفي استأثر القطاع المصرفي باهتمام وتركيز شديدين من المؤتمر, أكان ذلك في جلساته العامة أو على مستوى ورش العمل, وذلك باعتباره موضع استثمار مباشرا في حذ ذاته, كما انه يشكل مدخلا محوريا للاستثمار في القطاعات الأخرى, ولاحظ المؤتمر في هذا الصدد ان الاقتصاد الجزائري اتخذ مسار النمو المستقر بعد ان أصبح معدل النمو الحقيقي السنوي موجبا بدءا من عام 1995, مع قابلية الدينار الجزائري للتحويل الكامل في المعاملات التجارية والخدمات المرتبطة بها, والاتجاه المتزايد نحو التحرير الكلي في المعاملات الخاصة بالسياحة والعلاج والدراسة, وتحديد سعر الصرف خلال هذه الفترة في اطار مرن يستند إلى حجم التعامل في سوق العملة فيما بين المصارف, وتكييف الراقبة على النقد لتنسجم مع هذه الأوضاع, واطلاق حرية الأفراد الطبيعيين والمعنويين,مقيمين وغير مقيمين, لفتح حساب مصرفي بعملة أجنبية والتصرف فيها. وأكد المؤتمر على الحاجة الواضحة والملحة لتأسيس مصارف جديدة وتوسيع الانتشار الجغرافي للمصارف في البلاد لتحوير مسار النقد المتداول خارج الجهازين المصرفي والمالي, وتمكينه من الانسياب عبر القنوات المصرفية باستخدام وسائل الجذب والتوظيف التي تتيحها التقنيات المتقدمة. ورأى المؤتمر ضرورة توفير خدمات مصرفية متطورة كالهندسة المالية, وادارة الأصول والمحافظ, وخدمات الاستشارة المالية, وغير ذلك من أنشطة بنوك الاستثمار لمواكبة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وتطور سوق الأوراق المالية, وتلبية متطلباتها المتزايدة. ودعا المؤتمر إلى اعادة تنظيم أجهزة العمل المصرفي ووحداته على مستويي الرقابة والعمليات في اطار اصلاح منظومة المؤسسات الاقتصادية في البلاد, وذلك بتأسيس سلطة نقدية كاملة الصلاحية والغاء الدور الاقراضي للخزينة العامة, وتصفية مديونية مؤسسات الدولة, واصدار قانون النقد والقرض والتشريعات المساندة له لتيسير الحركة في المسار الاقتصادي المرتبط بقوى السوق في مجالات التجارة والتأمين, وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر, وتنظيم حركة القيم المتداولة, واقرار نظم الشركات القابضة وتأسيس الهيئات والوكالات المكلفة بتطبيق هذه التشريعات والنظم, مع توفير أسباب القدرة لها. وأخذ المؤتمر علما بأنه جرى الترخيص لنحو 16 شركة مصرفية خلال الفترة 1996 ـ 1998, برأسمال 150 مليون دولار, حصة الاستثمار الأجنبي المباشر فيها 60%, وتتوزع بنسبة 65% على مستثمرين عرب, و 26% على مستثمرين من أوروبا , و 9% على مستثمرين من الولايات المتحدة, كما جرى فتح عدد من مكاتب التمثيل لمصارف عربية وأجنبية. وأخذ المؤتمر علما بالفرص المتاحة لطلائع المستثمرين في المجال المصرفي مع تنامي الحركة في مختلف قطاعات الاقتصاد الجزائري, وتزايد الطلب على الخدمات المصرفية والاستثمارية. قطاع النفط والغاز استعرض المؤتمر خريطة النفط والغاز في الجزائر مشيرا إلى أنهما عماد الثروة الوطنية بعد ثروتها البشرية, ولاحظ في هذا الصدد ان الجزائر تختزن حوالي 2.6% من احتياطيات النفط المؤكد في العالم. وهي تقع بذلك في الموقع الثامن عالميا والرابع عربيا. وهي في الوقت ذاته الأول من بين الدول العربية فيما يتعلق باستغلال ثروة الغاز التي يقدر أن تستمر على مدى 55 عاما في حدود حالة المعرفة المؤكدة في الوقت الحاضر, ومستويات الاستغلال السارية, وذلك بالمقارنة مع الثروة النفطية التي تقدر بنسبة 1% عالميا, ويمكن استغلالها على مدى 30 عاما في اطار الحدود المذكورة. وأكد المؤتمر على سلامة سياسة الدول التي تركز على استغلال ثروة الغاز الطبيعي بنسبة 65% من المواد الهيدروكربونية مقارنة بحوالي 23% عام 1980, إلا انه لاحظ في الوقت ذاته, تواضع انتاج الجزائر من الاثلين والميثانول اللذين يمثلان الركيزتين الأساسيتين للصناعات البتروكيماوية, ورأى المؤتمر في هذا الصدد انه قد يكون من المناسب تبني سياسة للتحول المتدرج من تصدير الغاز تجاه تصنيعه باعتبار توقع تسارع ارتفاع حجم الطلب المحلي على المنتجات النهائية والوسيطة. ورش العمل أبدى المؤتمر اهتماما كبيرا بالمشاريع الجزائرية المعروضة للترويج والتي جرى تناولها في ورش العمل التي عقدت في اطار المؤتمر في مجالات القطاع المصرفي والمالي, وقطاع الصناعات الهيدروكربونية والكيماوية, وقطاع الفلاحة والصناعات الغذائية, وقطاع الصناعة والأدوية والتجهيزات الطبية, وقطاع السياحة والصناعات التقليدية, وعكست المشاريع المعروضة للترويج توفر طاقات ومجالات غير مستغلة وفجوات بين حجم الطلب وحجم المعروض من السلع والخدمات بالرغم مما يتوافر في البلاد من قدرات بشرية وبنى تحتية, الأمر الذي يوفر مجالا رحبا للاستثمار. وفي ضوء التداول الذي تم في ورش العمل وما انطوت عليه من جدية في التناول, أبدى عدد من المستثمرين رغبتهم في زيارة الجزائر لمتابعة عدد من الأمور التفصيلية مع نظرائهم الجزائريين في القطاعات المختلفة ومع الجهات المعنية بعدد من المشروعات العامة المعروضة للتمويل أو التخصيص. وفي اختتام أعماله أكد المشاركون على أهمية اعتبار المؤتمر خطوة أولى تجاه تعزيز العلاقات الاستثمارية والتعاون الاقتصادي فيما بين دول الخليج ودولة الجزائر, على أمل أن يلحقه لقاءات واجراءات أخرى تساهم في تعزيز الروابط الاقتصادية والاستثمارية.