وفي الوقت ذاته نجد دولاً كثيرة لديها مقومات السياحة الطبيعية, ولكن طرقها في الادارة والتنظيم او نظمها الاقتصادية والادارية والسياسية او حتى نظمها الاجتماعية تحول دون رواج قطاع السياحة فيها بصورة منظمة, فهناك الكثير من الدول العربية التي تملك مقومات السياحة الطبيعية ولكنها لا تستغلها الاستغلال الامثل. ولو تم استغلال تلك المقومات استغلالا امثل لتغيرت الاحوال الاقتصادية لتلك الدول تغيراً جذرياً. ونجد دولة مثل الصين مثلاً ذات العراقة التاريخية المعروفة لم تستغل تلك المقومات السياحية مثلما تستغلها الهند مثلاً وهي الدولة المجاورة لها. من هذا المنطلق نجد انه مع تغير مفهوم السياحة لدى الجماهير أصبح اهتمامهم بالتسوق والرفاهية هدفا رئيسيا لا يقل اهمية عن الاهداف الاخرى للسائح استفادت امارة دبي من هذه النقطة بالذات لتستثمرها لصالحها في قطاع السياحة. حيث نجد ان الكثير من السائحين من الدول المجاورة وحتى من الدول الاجنبية يقصدون مهرجانات التسوق بغرض التسوق. وتحاول دبي جاهدة ان تأصل وتثبت سمعتها على مستوى العالم كمركز عالمي متميز للتسوق. فأخذت تنفق الكثير الكثير على المشاريع السياحية الجذابة التي تشبع حاجة السائح وتلبي رغباته اثناء اقامته وتسهل له اجراءات السفر والاقامة والتنقل وكل ما يرتبط برفاهية السائح, ولقد تحقق بالفعل لها ما تريد وهي تسعى جاهدة لتطويره والحفاظ على المستوى الذي وصلت اليه في خضم المنافسة العالمية الشديدة في هذا المجال. وتعتبر الانجازات التي حققتها دبي في قطاع السياحة انجازات ضخمة بكل المقاييس, فهي تعكس قدرات ادارية حكيمة استطاعت ان تصل بالبلاد الى هذا المستوى وبقطاع السياحة الى مستوى لم يكن احد ليحلم به, وذلك نظراً لضعف مقومات السياحة الطبيعية. فالجو حار في معظم ايام السنة والرطوبة عالية ولا توجد مناطق خضراء بشكل طبيعي وقلة الامطار ولا يوجد انهار ولا يوجد قطارات خارجية او تحت الارض ولا يوجد تراث تاريخي كبير يرتبط بحضارات الشعوب الاخرى. غير ان دبي وتحت ظل قيادتها الرشيدة تمكنت من التغلب على تلك العقبات وتوفير الجو المناسب للسائح والذي يتفق مع رغباته وتلبية حاجاته. وعلى الرغم من تلك الانجازات الا اننا نجد ان السياحة الخارجية لا ترتبط بالسياحة الداخلية الا في حدود ضيقة للغاية. وهذا في الحقيقة يتطلب اهتماماً وتنسيقاً بين الجهات المختصة في دبي والامارات الاخرى, لأن في ذلك مصلحة قطاع السياحة لكافة الامارات وهذا يتطلب في الحقيقة تنمية الاماكن والمرافق السياحية في الامارات الاخرى وتنظيم رحلات داخلية للسياحة من قبل الشركات السياحية المنظمة للرحلات الخارجية. ومع النمو المتزايد لقطاع السياحة نجد في المقابل تقصيراً واضحاً في جانب الخدمات التي تقدمها شركات السياحة في الامارات الاخرى (غير امارة دبي), ففي معظم الامارات نجد ان دور المكاتب يقتصر على تجارة التأشيرات, فالمكاتب تجتهد وتراهن على جلب السائحين (أو بشكل ادق الزائرين سواء أكانوا سائحين ام لأغراض اخرى) مقابل مبالغ من المال دون تقديم اي خدمات او برامج سياحية تذكر لهؤلاء الزائرين مقابل ما يتقاضونه من اموال, ويذهب بعضهم الى ابعد من ذلك حيث يجلب الزائرين ثم يتخلى عنهم ليبحثوا لهم عن اعمال داخل الدولة يتحولون بعدها من زائرين الى عاملين. فوظائفهم في هذه الحالة تتحول من مكاتب سياحة الى مكاتب خدمات جلب اليد العاملة الأجنبية وهو مخالفة مستترة لقوانين الدولة في جلب العمالة أفرزتها الفجوة القانونية الموجودة في القانون ذاته. ومن هذا المنطلق يصبح وجود مكاتب السياحة لا معنى له الا اذا قامت بالفعل بتنشيط قطاع السياحة وعملت بالفعل على وضع برامج وخطط ترويج لقطاع السياحة وتنميته وتطويره. من هذا المنطلق نجد ان التفكير الجاد باقامة شركة مساهمة عامة تتولى مسؤولية السياحة, وتتبنى أهداف السياسة العامة للدولة الهادفة الى تنمية وتطوير قطاع السياحة يصبح أمراً ضرورياً ملحاً. حيث ان مثل هذه الشركات تصبح من الشركات المجدية اقتصادياً سواء بالمقياس الضيق للقطاع الخاص وهو مقياس الربح والخسارة أو بالمقياس الواسع للقطاع العام وهو مقياس تنمية وتطوير قطاع السياحة وما يرتبط به من قطاعات اقتصادية اخرى كقطاع التجارة والسفر والنقل والمعلومات والتأمين والصحة والمواصلات والاتصالات وغيرها. فضلاً عن كون قيام شركة مساهمة عامة سوف يخلق فرص استثمار لصغار المستثمرين وسوف يحد من تنامي شركات السياحة ويقصر النشاط على الشركات الجادة فقط. لانها سوف تعمل على أخذ حصة كبيرة من سوق السياحة في الدولة بهدف تنميته وتطويره. وسوف تقوم بسد الفجوة والنقص في الخدمات السياحية الذي عجزت عن القيام به شركات السياحة الصغيرة التي تفتقر الى الرؤية الوطنية والواجب الوطني في ممارسة الاعمال السياحية. وسوف تعمل مثل تلك الشركات بلا شك على الحد بشكل كبير من جلب الزائرين بغرض الاتجار بالتأشيرات. فهي بلا شك مطلب وطني ملح.