أكدت النشرة الاقتصادية للبنك البريطاني أن المؤشرات الاقتصادية الحالية للتجارة بين دول مشرق الأوسط العربية ومنطقة شرق اسيا تواصل استعادة نشاطها. فاحصائيات الرحلات الجوية على سبيل المثال تعتبر مؤشرا جيدا للنشاط التجاري في الوقت الحاضر, وخلال الفترة من يناير حتى سبتمبر عام 1998 ارتفع عدد القادمين إلى مطار دبي الدولي من شرق آسيا بنسبة 16% مقارنة بنفس الفترة من عام 1997. وقد تزايدت قيمة التجارة بين منطقة الشرق الأوسط ومنطقة شرق آسيا بصورة كبيرة على مدى السنوات العشر الأخيرة, فقد ارتفعت صادرات منطقة الشرق الأوسط لمنطقة شرق آسيا في الفترة ما بين عامي 1990 و 1997 من 35 مليار دولار إلى 66 مليار دولا, كما ارتفعت الواردات في نفس الفترة من 14 مليار دولار إلى 26 مليار دولار, وترجع النسبة الكبرى من هذا النمو إلى تطور العلاقات التجارية مع الصين والدول الصناعية من منطقة جنوب شرق آسيا مثل ماليزيا واندونيسيا. ونتيجة لهذه التطورات أصبحت منطقة شرق آسيا (التي تعرف بصورة عامة بأنها المنطقة الممتدة من اليابان مرورا بالصين وجنوب شرق آسيا إلى استراليا) الآن هي المنطقة الأكثر أهمية من الناحية الاقتصادية بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط, ففي عام 1997 قامت منطقة شرق آسيا باستيراد 49 في المائة من مجمل صادرات منطقة الشرق الأوسط وقامت بتصدير 27 في المائة من مجمل واردات منطقة الشرق الأوسط, وبلغت قيمة اجمالي النشاط التجاري بين المنطقتين 92 مليار دولار (تتكون من صادرات بمبلغ 63 مليار دولار وواردات بمبلغ 26 مليار دولار) مقارنة بمبلغ 52 مليار دولار مع أوروبا الغربية و 27 مليار دولار مع أمريكا الشمالية. وتعد اقتصاديات شرق آسيا, وعلى الأخص اليابان من الأسواق البالغة الأهمية بالنسبة لصناعة النفط والغاز في الشرق الأوسط, ففي عام 1997, قام الشرق الأوسط بتصدير نفط بمعدل 18.2 مليون برميل من النفط الخام في اليوم , منها 10.9 ملايين برميل (60 في المائة من الاجمالي) اتجهت إلى آسيا واستراليا ومنطقة الباسفيك, بما في ذلك 4.4 براميل لليابان, وفي نفس العام, قامت الدول العربية بمنطقة الشرق الأوسط (الامارات العربية المتحدة وقطر بصفة أساسية) بتصدير ما مجمله 10.4 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال, منها 8.9 ملايين متر مكعب (86 في المائة من الاجمالي) لليابان. كما أشار العديد من المعلقين, تعتبر الأزمة المالية الآسيوية غير عادية في أنها بدأت في بلد يعتبر اقتصادها صغيرا نسبيا (وهي تايلاند) ولكن أصداءها امتدت لتشمل الاقتصاديات الكبرى في المنطقة, ومن خلال مشاكل السيولة التي تعرضت لها البنوك تأثرت حتى البلدان البعيدة عن المنطقة مثل روسيا والبرازيل وتشيلي. وتؤكد النشرة الاقتصادية للبنك البريطاني ان آخر البيانات المتوفرة من صندوق النقد الدولي تؤكد هبوط الطلب بالفعل على صادرات الشرق الأوسط من منطقة شرق آسيا خلال الربع الثاني من عام 1997 وربما كانت البنوك الآسيوية قد تراجعت بالفعل عن تمويل بعض الأنشطة التجارية قبل ان تتصدر الأزمة العناوين الرئيسية للصحف. أما الجانب الايجابي فهو ان الهبوط في الربع الثالث كان رمزيا وفي الربع الرابع من عام 1997 بدأت بالفعل تظهر مؤشرات لاستعادة التوازن. وعلى الجانب الآخر من المعادلة التجارية كان هناك اتجاه جديد لثبات النمو في واردات الشرق الأوسط من شرق آسيا, مع ميل طفيف نحو الهبوط في الربع الأول من عام 1998. الشرق الأوسط ويبدو حتى الآن ان هناك مبررات للاعتقاد بأن الأزمة المالية الآسيوية لم يكن لها تأثير كبير على العلاقات التجارية بين الشرق الأوسط وشرق آسيا. فالاقتصاديات الأكبر حجما وقوة في آسيا, مثل اليابان والصين, يبدو أنها وصلت لدرجة من الاستقرار يجعل طلبها على النفط والغاز الطبيعي من الشرق الأوسط شيئا ثابتا, وربما يرتد تأثير الأزمة على العملات الآسيوية بصورة ايجابية لصالح القطاعات الصناعية الآسيوية حيث يستفيد التجار في المراكز التجارية الكبرى في الخليج من هبوط تكلفة الواردات وما يستتبع ذلك من ظهور فرص جديدة لنشاط اعادة التصدير. ولا شك ان بعض بلدان شرق آسيا بحاجة الآن إلى ضوابط وآليات مالية جديدة لعدم تكرار حدوث مثل هذه الأزمة, وقد قام صندوق النقد والبنك الدوليين والحكومة الأمريكية بالفعل بالتحرك في اتجاه تخفيف الآثار الاقتصادية المباشرة للأزمة, ومن الدروس المستفادة من هذه التجربة الآسيوية أيضا تقدير قيمة الأنظمة المالية التي تتميز بالتنظيم الجيد والشفافية العالية حيث تعتبر عنصرا ضروريا من عناصر النمو الاقتصادي الثابت. من هنا ندرك ان بلدان الشرق الأوسط بالكامل تقريبا, خلافا لما كان يمكن ان نتوقعه من المفهوم العام والتغطية الصحفية للأزمة المالية الآسيوية, قد حققت نموا ايجابيا في تجارتها مع شرق آسيا في الفترة ما بين عامي 1996 و 1997, فقد كانت نسبة الزيادة في مجمل النشاط التجاري بين المنطقتين بصفة عامة 7 في المائة, من 86 مليار دولار إلى 92 مليار دولار. ولكن تأثير الأزمة على النشاط التجاري لم يكن واحدا في جميع أرجاء منطقة الشرق الأوسط, ففيما بين عامي 1996 و 1997 تزايد النشاط التجاري بين المملكة العربية السعودية وشرق آسيا بمعدل 8 في المائة, وذلك من خلال النمو القوي في الصادرات السعودية بصفة أساسية, أما بقية دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة فقد حققت نسبة نمو في تجارتها مع شرق آسيا قدرها 7 في المائة, بينما حققت دول المشرق العربي 2 في المائة فقط.