كشف اندلاع الأزمة الحالية في آسيا وامتدادها إلى روسيا والبرازيل ان السوق الرأسمالية العالمية لم تعد طوقا للنجاة, وفي الوقت الذي كانت فيه الأسواق المالية تمتطي صهوات أفراسها, تبين لنا مدى الضرر الذي يمكن ان يلحق بالاقتصاديات المختلفة . وتعلم العالم الدرس إذ أدركت البلدان التي أصابتها الأزمة ان تحقيق النمو الاجتماعي الشامل والقائم على أسس ينبغي ان يقل اعتماده على تهويمات (كازينوهات) الأسواق المالية, وان يكثر اعتماده على موارده الخاصة ومدخراته المحلية وقواعده التنظيمية وثقافته المدنية والسياسية. وعلى هذه البلدان ان تبدأ بمساعدة نفسها أولا حتى يمكنها الاستفادة من تدفقات رأس المال عبر حدود دول العالم. وأصبح من الواضح انه في الوقت الذي تقدمت فيه العولمة قبل اقتصاديات الدول الناشئة, تراجع العديد من هذه الدول خطوات للوراء وكان الثمن باهظا والهوة تتسع وتزداد عمقا. ويبدو العالم لنا الآن وكأنه ينجو بعيدا عن ذلك المبدأ المعروف باسم (اجتماع واشنطن) والذي بزغ منذ نهاية الحرب الباردة إلى بداية نشوب الأزمة الآسيوية, وإذ البعض يغزو هذا الاجماع أو ما يمكن ان نطلق عليه (ليبرالية شمال الأطلنطي الجديدة) إلى انها أكدت على حرية تحرك رأس المال وعلى خدمة النظام المالي والنقدي العالمي للمؤسسات الاقتصادية والسياسية في منطقة الدول الواقعة شمال الأطلنطي وبصفة خاصة الولايات المتحدة. واقتضى هذا المبدأ الذي أصبح متجسدا في صندوق النقد الدولي ان يدمج الاقتصاد العالمي ويجعله مفتوحا حتى يمكن فرض طريق واحد للحرية والرخاء على جميع بلدان العالم. بيد أن الأزمة المالية الآسيوية برهنت على ان ديمقراطيات دول شمال الأطلنطي لا تملك حق الملكية الفكرية في هذه السوق العالمية. ويجري البحث حاليا عن بديل تقدمي آخر دون ان يعني ذلك التقوقع والانسحاب إلى الحمائية أو إلى أسلوب يعتمد على النمو المسنود بزيادة الصادرات والذي يراهن عليه كبار رجال الأعمال بينما يحرم العامة من حقوقها, هذا البديل عليه ان يقبل بحركة التاريخ التي تقول باقتصاد السوق دون ان تضطر الحكومات الوطنية ان تسلسل نفسها في معصم الاقتصادي العالمي, هذا البديل عليه ان يبحث عن اطار لشيء ما نبحث عنه جميعا وهو ان تحقيق الحرية والتقدم الاقتصادي لا ينبغي ان يكون على حساب غالبية الفقراء والبؤساء. لكن ما هي عناصر هذا البديل؟ * يقتضي الحد من الآثار الناجمة عن حرية التجارة وتدفقات رؤوس الأموال ان يتمتع العمال بحرية التنقل والحركة عبر حدود الدول. الأيديولوجيا الليبرالية الجديدة التي يمكن ان تنشأ من رحم الخصخصة لابد من مواجهتها, وفي المقابل لابد من وجود شراكة براجماتية بين الحكومات ورجال الأعمال من أجل زيادة المشروعات المشتركة بينهما وتقديم الائتمان التجاري والمساعدات الفنية للشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم, والهدف من وراء ذلك هو اعادة تصميم السوق من جديد وتوسيعه وليس فقط تأهيله لصالح البيروقراط. * يجب زيادة حجم المدخرات المحلية ـ العامة والخاصة من أجل تجنب الاعتماد على التدفقات المالية الأجنبية, ويجب ان تكون هناك قوانين الزامية للادخار خاصة بالنسبة لصناديق المعاشات. * يجب زيادة العوائد الضريبية على الاستهلاك من أجل تمويل مشروعات البنية التحتية, كما يجب الاهتمام بالمهارات الفردية ونظام التعليم لتشييد قواعد مجتمع الفرص. * ونظرا لأن معدل ضريبة الدخل ينبغي ان تكون تنافسية مع معدل ضرائب الدخل في البلدان الأخرى, فإنه من المتوقع ألا تزيد هذه الضريبة من حجم العوائد خاصة عندما تحاصرها مجموعة المشاكل المتوقعة من ورائها, ولذلك فإن البديل هو التفكير في فرض ضريبة استهلاك خفيفة, فمثلا ضريبة استهلاك على الجاز يمكن ان تكون مناسبة هنا. * على معظم بلدان قارة أمريكا اللاتينية ان تخصص نحو 30% من الناتج القومي الاجمالي للانفاق في القطاعات الاجتماعية وذلك من أجل سد الفجوة الهائلة بين الفقراء والأغنياء. * وأخيرا, فإن هذه العوامل لن تؤتى ثمارها أبدا ما لم يصاحبها نظام ديمقراطي تمثيلي قوي, ذلك ان اقتصاديات دول الأسواق الناشئة لا تزال تحتاج إلى ديمقراطية مباشرة أكثر وانخراط مدني أكثر حيوية ونشاطا في مؤسساتها المختلفة, وإذا لم يكن هناك حرية سياسية كافية لتنشيط آليات عمل المجتمع فلن يمكن تحقيق النموذج الاقتصادي المأمول, والمفتاح هنا يوجد عند باب المجتمع المدني, انه الطريق الوحيد للحيلولة بين تدخل الدولة وفساد القطاع الخاص. ولا يوجد بيننا من يتساءل عن قيمة السوق في خلق تراكم الثروات والمؤكد ان العولمة ليست الطريق الوحيد المؤدي لتفعيل آليات المجتمع وتشابك علاقاته كدولة وأفراد. ان الاصرار على ان ليبرالية شمال الأطلنطي الجديدة هي الطريق الوحيد يجعل من الشعوب والناس اعداءً لفكرة السوق الحرة لأنهم يعتبرون هذه الأسواق عدوا لهم, وفي النهاية فإن تعددية السوق وليست العولمة هي بمثابة أفضل الحلول جميعا. مقال يكتبه: كارلوس ساليناس رئيس المكسيك الأسبق، وروبرتو مانجابيرا استاذ القانون بجامعة هارفارد