هل من المجدي اقتصاديا اقامة شركات مساهمة عامة لصناعة السياحة في دولة الامارات؟ سؤال يطرح نفسه بعد التطورات التي يشهدها قطاع السياحة والسفر والشحن في دولة الامارات العربية المتحدة . فمن حيث الواقع نجد ان مفهوم السياحة ذاتها مفهوم غير ثابت حيث ان السياحة قبل عقود من الزمن كانت مقتصرة على فئات معينة وطبقات معينة من الناس ولأغراض محددة يأتي على رأسها الاستمتاع بالآثار التاريخية وبانجازات الأقدمين العمرانية والحضارية بشكل عام. وكذلك التسوق والاستمتاع بجمال الطبيعة والجو والرفاهية العامة. أما اليوم ومع الضغوطات النفسية والعصبية التي تسببها حياة المدنية الحديثة وضغوطات العمل نرى ان كافة أفراد المجتمع بجميع فئاتهم وطبقاتهم صغارا وكبارا لديهم النزعة القوية والرغبة الجامحة في السياحة وتغيير جو البيت بل وجو المجتمع كله. وليس هذا فقط هو الدافع الذي يدفع الناس إلى السياحة بل ان الجو العام لعصر المعلوماتية الذي نعيشه يخلق لدى الأفراد الرغبة الجامحة في اكتشاف المجتمعات الأخرى والتعرف عليها عن قرب. ومن هذا المنطلق نرى ان قطاع السياحة يشهد تطورات كبيرة جدا في شتى بقاع العالم, وهناك في الحقيقة ثلاثة أنواع من السياحة: 1 ــ السياحة داخل ذات المجتمع أو المحيط البيئي الذي يعيشه الإنسان: وهي سياحة متكررة بشكل يومي أو على الأقل مرة أو مرتين في الاسبوع الواحد حيث تخرج الأسر من جو المنزل إلى الحدائق والمتنزهات والمتاحف وغيرها داخل نفس المنطقة أو الامارة وفي ذلك بلا شك مردود اقتصادي للمجتمع, حيث ان في هذه الحركة انفاقا وفي الانفاق تدوير لرأس المال وتحريك له, فضلا عن التجديد النفسي والذهني الذي تكتسبه الأسرة من ذلك والذي يعود بلا شك بفائدة كبيرة على مستوى الانتاجية لتلك الأسر. 2 ــ السياحة داخل الدولة: وهي سياحة تتم داخل الدولة ذاتها بين الامارات والمناطق المختلفة وهي تكون على نطاق أوسع من النوع الأول وفي فترات زمنية متباعدة, فقد تكون اسبوعية أو شهرية أو غير ذلك. وهي بلا شك لها فوائد اقتصادية كبيرة جدا. ففضلا عن الفوائد التي ذكرناها في النقطة الأولى نرى ان الوافدين المقيمين على أرض الدولة سوف ينفقون من أموالهم لهذه السياحة أي ان النسبة من مدخراتهم المصدرة إلى خارج الدولة سوف تنخفض وفي ذلك مكسب كبير للبلد خصوصا مع تزايد عدد الوافدين. 3 ــ السياحة الخارجية: ونقصد بها بشقيها القادمين إلى الدولة لغرض السياحة والمغادرين منها إلى الدول الأخرى لغرض السياحة. فأنت عندما تقوم بتوفير الأجواء المناسبة للسياحة والتي تلبي احتياجات السائح والغرض القادم من أجله سوف تعمل على احداث أثرين: 1 ــ الأثر الأول هو التأثير على الأجانب وترغيبهم في السياحة في الدولة فيقدمون عليها. 2 ــ الأثر الثاني هو ترغيب المقيمين على أرض الدولة في السياحة الداخلية أي في النوع الثاني من السياحة والتقليل من رغبتهم الشديدة في الذهاب إلى خارج الدولة من أجل السياحة الخارجية. وبالتالي تستطيع تمديد فترات السياحة الخارجية. أي بدلا من أن يرغب المقيم داخل الدولة بالقيام بالسياحة الخارجية كل ستة أشهر سوف يصبح راغبا في ذلك كل سنة. وبدلا من أن يرغب المقيم بالقيام بالسياحة الخارجية كل سنة سوف يصبح راغبا في ذلك كل سنتين أو ثلاث وذلك نظرا لوجود التسهيلات السياحية الجذابة التي تغنيه عن الذهاب المتكرر إلى الخارج. إن مفهوم السياحة اليوم لم يعد كمفهوم الأمس فدولة الامارات إذا قمنا بقياسها بالمفاهيم العالمية التقليدية للسياحة سوف لن تكون دولة سياحية على الاطلاق. فعلى سبيل المثال نجد دولة مثل اسبانيا التي تسجل الاحصائيات انها هي الدولة الوحيدة في العالم التي يزيد عدد السائحين فيها على عدد السكان, ودولة مثل مصر أيضا التي يعتبر قطاع السياحة فيها من أفضل القطاعات الاقتصادية وأنشطها نجدهما معا يركزان على الاهتمام بالتراث التاريخي والحضارات القديمة التي خلفها الأجداد والتي تعتبر المصدر الرئيسي لجذب السائحين إلى جانب ــ بالطبع ــ الطبيعة الخلابة. أما دولة مثل سويسرا فهي تركز على الطبيعة وعلى الجليد من أجل رياضة التزلج على الجليد. والحقيقة ان دولا كهذه تمتلك مقومات السياحة التقليدية بشكل طبيعي وبالتالي فإنها لا تحتاج إلى انفاق كبير على الدعاية والاعلان والترويج السياحي وذلك لانها امتلكت أسماء وسمعة تقليدية في قطاع السياحة ووضعت الثوابت لذلك. وعلى الرغم من ذلك نجد ان تلك الدول ما زالت مستمرة في الترويج للسياحة والانفاق على الدعاية والاعلان وذلك من أجل المحافظة على سمعتها ومكانتها في هذه الصناعة التي أصبحت مصدر دخل كبيرا للدولة من الأجانب القادمين إليها. فماذا عن السياحة في بلدنا, هل هي بحاجة إلى ترويج أكثر من ذلك. سوف نتعرض لذلك في الحلقة القادمة إن شاء الله.