التقيت بالعديد من ضحايا شركات الوساطة المالية (أو كما أطلق عليها شركات توظيف الأموال) وذلك لخروجها عن إطار الوظائف التي منحت من أجلها الترخيص لممارسة مهنة الوساطة المالية إلى وظائف قبول الايداعات الاستثمارية من الأفراد والهيئات والمؤسسات وإيهام الناس باستثمارها في بورصات الأسهم والسندات العالمية وبورصات العملات, وقلما يحدث ذلك الاستثمار من الناحية الفعلية, كما تلقيت العديد من الهواتف من قبل ضحايا هذه الشركات الذين يبحثون عن جهة حكومية مسؤولة تتبنى قضاياهم وتبحث لها عن حلول عادلة, يحصلون على أثرها على حقوقهم, التي تعتبر ضائعة. وفي حلقة النقاش التي قام بتنظيمها مركز البحوث والدراسات بشرطة دبي صباح 29 نوفمبر 1998 تم الاعلان عن بعض الاحصائيات حيث أعلن عن أن عدد تلك الشركات المرخصة وغير المرخصة التي تعرض المستثمرون فيها إلى خسائر بلغ 15 شركة, في حين بلغت الأموال التي خسرها المستثمرون ثلاثة مليارات و194 مليون درهم. والحقيقة ان هذه هي الأرقام الرسمية, التي تستند الى الشكاوى والبلاغات التي وردت الى الشرطة والى المحاكم, غير ان هناك ضحايا لم يقوموا أصلاً بتقديم بلاغاتهم, خوفا على سمعتهم خاصة وان استثمارات هذه الشركات بحد ذاتها فيها نظر من الناحية الاسلامية, أما بعض الضحايا فقد ارتضوا بالتسوية بينهم وبين تلك الشركات والحصول على نسبة من أصل المبلغ المودع. ولقد قمت بزيارة لبعض الشركات كمتعامل وليس كصحفي والتقيت ببعض المحامين وبعض الموظفين العاملين في الشركات ذاتها, حيث تكشفت لنا حقائق كثيرة, فمن حيث حجم الخسائر نستطيع تقدير الخسائر بمبلغ لا يقل عن خمسة مليارات درهم شاملا كل الفئات التي ذكرناها, ومن حيث عدد الشركات فهو يفوق العدد الذي تم إعلانه بالفعل, والحقيقة أن حجم الاحصائيات هنا ليس هو بيت القصيد, فسواء أكان المبلغ المفقود درهما واحدا أو مليارا, فالنتيجة واحدة, وهي انه توجد شركات مالية قائمة بممارسة أنشطة اقتصادية غير مرخص لها بمزاولتها, فهي تعمد الى ابتزاز أموال الناس وإيهامهم بأنها تقوم بأنشطة اقتصادية وسوف تحقق لهم أرباحا لم يكونوا ليحلموا بها فيما لو أودعوا أموالهم لديها. ولقد أكد لي بعض الموظفين العاملين في هذه الشركات أن أنشطتهم بالفعل وهمية وغير حقيقة فهم يقومون بخداع المتعامل وابتزاز أمواله. ومما أدهشني في الحقيقة وجرني الى كتابة هذا المقال متابعتي لأنشطة المصرف المركزي وتوجهه الحالي الى إجراء بعض التغييرات الهيكلية في نظامه الاداري من ناحية وفي سياساته الاقتصادية (المصرفية والنقدية والمالية والرقابية والتنظيمية بشكل عام) ومن ناحية أخرى ما شد انتباهي أكثر انه في خضم هذه الأزمة المتفاقمة نجد ان المصرف المركزي يعلن عن ترخيصه لعدد كبير من شركات الوساطة المالية الجديدة من دون أن يجد حلولا جذرية عادلة لأزمة المستثمرين في شركات الوساطة المالية القائمة (المرخصة وغير المرخصة) والحقيقة ان الشركات غير المرخصة من المصرف المركزي مرخصة من السلطات المحلية في الإمارة (سواء أكان ذلك بشكل رسمي من قبل الجهات الرسمية أم بشكل غير رسمي) أما الشركات المرخصة لمزاولة الوساطة المالية وهي تمارس توظيف الأموال واستثمارها سواء بشكل فعلي أم وهمي فهي محمية بشكل مباشر أو غير مباشر من السلطات المحلية كذلك, ولو لم تكن هناك مثل هذه الحماية لتلك الشركات لتمكن المصرف المركزي من فرض سلطته على تلك الشركات وايقاف نشاطها ومعاقبتها ورد الحقوق والمظالم الى أصحابها بطريقة عادلة. ونحن لا نقول هذا الكلام من فراغ ولكننا نراه أمام أعيننا, فبعض الشركات التي وصلت قضاياها الى المحاكم انتهت بأن نجد ان الموظفين في السجن وأصحاب الشركات مطلقو السراح على الرغم من ثبوت التورط في ابتزاز أموال الناس, فلماذا لا تصادر ثروات هؤلاء التي كونوها من أتعاب الآخرين ويتم تصفيتها لصالح المستثمرين؟ ولماذا لا تفرض السلطة الاتحادية سلطتها في قضية حيوية كهذه تمس المواطنين وأموالهم وتسيء إلى الدولة التي عرفها العالم أجمع كدولة أمن ورخاء واستقرار؟ لماذا نظل نحوم حول المشكلة من دون أن نعالج أساسها؟ د. محمد ابراهيم الرميثي