تطرقنا في المقال السابق الى اهمية تطوير السياسات المالية بدول مجلس التعاون الخليجي. فماذا عن دور السياسات النقدية؟ ان السياسات النقدية, عندما تدخل على ساحة الاوراق المالية تمتلك, تأثيرا فعالا على اسعار الاسهم من خلال التوقعات المستقبلية للفائدة الاسمية والحقيقية ومدى امكانية تأثير التضخم على اسعار الاسهم, وقد كانت الحكمة السائدة في الماضي في ادبيات الاسواق المالية هي ان من شأن ارتفاع الفوائد ان ترتفع اسعار الاسهم الحقيقية وحرارة نشاطها, وبالتالي فإن التوقعات المستقبلية التضخمية ــ مع حياد العوامل الاخرى ــ كانت تعتبر بحكم المؤثرات الايجابية, وكانت القاعدة العامة, ان التضخم مؤثر ايجابي على اسعار الاسهم مستقبلا, شأنه شأن, اي تأثير للتضخم على اسعار الموجودات الحقيقية, كالاراضي والعقارات. اما الادبيات الحديثة والمعاصرة, فقد وصلت الى نتيجة عملية غير متفقة بالضرورة مع وجهة النظر هذه, وقد تكون معاكسة لها تماما, ومؤدى هذه النتيجة ان التوقعات التضخمية قد تخفض اسعار الاسهم, او على الاقل, تكون محايدة ازاءها. اذ يبين (كران) ان التضخم والاسعار الحقيقية للأسهم يسيران اما باتجاه معاكس, او باتجاه متوازن, ولكن لا يسيران حتما باتجاه واحد. بمعنى ان ارتفاع حدة معدلات التضخم لا يؤدي الى ارتفاع أسعار الاسهم الحقيقية, وانما يخفضها او لا يمارس اي تأثير عليها, ولعل اكبر التأييد لهذه النظرية جاء بعد مدة طويلة من نشر بحث المؤلف كران الذي توصل الى هذه النظرية عام 1971. اذ نشاهد الدليل الحي على ارتفاع اسعار الاسهم الحقيقية مع هبوط التوقعات التضخمية في وقتنا الحاضر, وبشكل قوي, فالملاحظ ان نشاط اسواق الاسهم في الولايات المتحدة وبريطانيا, خلال العامين الاخيرين, وارتفاع اسعار الاسهم بشكل حقيقي, قد بلغا مستويات قياسية, مع انخفاض التوقعات التضخمية المستقبلية (الولايات المتحدة بشكل خاص) . غير ان هذه النتيجة العملية قد لا تكون في الدول العربية عموما والدول الخليجية خصوصا بمثل هذا الوضوح المشاهد في الدول الصناعية ذات الاسواق المالية والمتكاملة, فالعلاقة بين اسعار الاسهم الحقيقية والاتجاهات التضخمية لا تعكس الصورة ذاتها. بل ربما يغلب القول ان الاسواق المالية في هذه الدول, تتأثر بالتضخم بشكل طردي كونها لا تتصف بالعمق المالي الكافي. اي ان الاسعار الحقيقية ترتفع نتيجة التوقعات التضخمية, وتشير تجربة بعض الدول الخليجية الى وجود مثل هذه الظاهرة. فقد تذبذت اسعار الاسهم في هذه الدول واتجهت نحو الارتفاع الكبير وغير المبرر خلال نهاية السبعينات وبداية الثمانينات مع زيادة الموارد المالية وتوسع السيولة المالية التي رافقها ارتفاع معدلات التضخم كما تشير حالة الركود التي سادت هذه الاسواق قبل عدة سنوات, الى الهبوط في معدلات التضخم من جهة اخرى. ويمكن ان نلاحظ من دراسة اوضاع هذه الاسواق خلال السنوات الاخيرة ترابط حركة السوق واسعار الاسهم فيه مع الارتفاع المحسوس لاسعار الفوائد المصرفية. وسواء كان المؤثر الحقيقي على اسعار الاسهم هو توقع انخفاض التضخم والفائدة وازدياد عائد السهم كما هو الامر حاليا في الاسواق الدولية الكبيرة, او كان انخفاض السيولة وارتفاع عائد توظيف الاموال في منافذ بديلة وارتفاع تكاليف التمويل المصرفي, كما هو الحال في الاسواق المالية الناشئة, فإن الواضح تماما, رغم تباين الاجتهادات والمؤيدات العملية, هو ان السياسة النقدية غير المباشرة التي تؤثر على اسعار الفائدة تأثيرا قويا, قادرة على توجيه الاسواق المالية للاسهم والسندات, في المدى القصير على الاقل. حسين محمد حلقة2 ــ 2