لقد اعتمد المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي في دورته التاسعة عشرة في أبوظبي وثيقة التنمية الشاملة بعيدة المدى لدول المجلس(2000ــ2025)أي الربع الأول من القرن المقبل, والتي توصل إليها خبراء التخطيط والتنمية في سبتمبر 1998, ولقد رسمت الوثيقة الأهداف الاستراتيجية للتنمية الشاملة في دول المجلس والغاية الأساسية لها, والطرق الانمائية اللازمة لتحقيقها, والآليات والوسائل اللازمة لتنفيذها, كما أوضحت الوثيقة ضرورة مراجعة دول المجلس لجميع الفرص المتاحة أمامها والقيود المفروضة عليها, والتحديات التي تواجهها, ولقد أبرزت الوثيقة ان أهم تلك التحديات على الاطلاق هو ان دول المجلس مجتمعة ما زالت حتى الآن تعتمد على الموارد المالية المتدفقة إليها من تصديرها للنفط الخام والغاز الطبيعي وذلك على الرغم من كافة الجهود المبذولة للتقليل من الاعتماد على النفط الخام. كما أوضحت الوثيقة ان من أهم التحديات كذلك استمرار الاختلال في هيكل الانفاق الكلي, حيث ان الانفاق على الاستهلاك الكلي ما زال يفوق الادخار الكلي ومن ثم الاستثمار الكلي, والذي يعكس بدوره تميز هذه المجتمعات بكونها مجتمعات استهلاكية وانخفاض مستوى الوعي الادخاري والاستثماري في دول المنطقة, والذي يؤثر بدوره بشكل سلبي على مستقبل التخطيط الاقتصادي والتنمية الشاملة. والحقيقة ان المتأمل في هذه الوثيقة الاقتصادية وغيرها من الوثائق والاتفاقيات التي صدرت عن دول المجلس يرقب حجم الطموح والأمل الذي يحدو هذه القيادات جنبا إلى جنب مع شعوبها لتحقيق مستقبل أفضل للأجيال القادمة. فالأهداف واضحة والغايات واضحة كذلك بيد أن السعي لتحقيقها في ظل المعطيات والمتغيرات الاقليمية والدولية تبقى صعبة للغاية, فما هي تلك المتغيرات أو التحديات؟ 1 ـ الوضع السياسي الاقليمي: ان أول تلك التحديات هو تحدي الوضع السياسي الاقليمي, فمنذ عقدين من الزمن والنظام السياسي العراقي يعمل جاهدا على تصعيد نار الفتنة واشعال الحروب في المنطقة وخلق المآسي التي أهدرت الكثير الكثير من الموارد الاقتصادية (الموارد البشرية والموارد المادية) وذهبت بمقدرات الشعوب وخيراتها, ولا يوجد لتلك الحروب أسباب منطقية تتفق مع روح العصر الذي نعيشه. والحقيقة ان هذا التحدي هو التحدي الحقيقي الذي يواجه دول المنطقة حيث يصعب التكهن بما سيؤول إليه المستقبل السياسي للمنطقة ويصعب بالتالي معها بل قد يستحيل وضع خطط وتنبؤات اقتصادية للمستقبل الاقتصادي للمنطقة على المدى البعيد قبل التوصل إلى حل فعلي لهذه الأزمة السياسية, التي تهون معها باقي المشاكل الاقتصادية, والتي بلا شك هي سبب رئيسي في خلق باقي المشاكل الاقتصادية. 2 ــ أزمة تدهور أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي وما يرتبط بهما من صناعات بتروكيماوية وغيرها. لا شك ان الأزمة الاقتصادية التي ضربت دول جنوب شرق آسيا وامتدت لتشمل اقتصاديات الدول المجاورة لها كاليابان وهونج كونج وكذلك أزمة الاقتصاد الروسي كان لها أثر بالغ على تدني مستوى الطلب العالمي على السلع والخدمات (بما في ذلك الطلب على النفط والغاز) وخلق نوع من الركود الاقتصادي العالمي الذي تأثرت به كافة دول العالم المرتبطة بعلاقات اقتصادية دولية قوية مع دول جنوب شرق آسيا المتأثرة بالأزمة, ولا شك ان تلك الأزمات كانت من الأسباب الرئيسية التي أثرت بشكل سلبي على أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي فجعلتها تهبط إلى هذه المستويات المتدنية, غير أننا ما زلنا نصر على أن العامل السياسي الذي ذكرناه في النقطة الأولى هو السبب الرئيسي في تدهور أسعار النفط إلى هذا المستوى. حيث ان هذه الدول لو لم تزج إلى مثل هذه الحروب لاستطاعت ان تحقق مستويات عالية من التنمية الاقتصادية تستطيع معها الاعتماد على الصناعات التحويلية والمصادر الاقتصادية الأخرى للدخل القومي وبالتالي تستطيع معها التقليل من انتاج النفط الخام فينخفض معها عرض النفط ويتوازى مع الطلب العالمي له, أما اليوم وبعد تأثر هذه الدول بتلك الحروب المصطنعة ومواجهتها للمشاكل والأزمات الاقتصادية يصبح معها من الصعب جدا التقليل من الاعتماد على النفط وتخفيض الانتاج. 3 ـ أزمة العجز الكبير في الميزانيات العامة لدول المجلس والناجمة أصلا عن النقطتين الأولى والثانية. ومن ذلك نستطيع الاستنتاج ان مسيرة التنمية الاقتصادية الشاملة لدول المجلس سوف تتأثر تأثرا سلبيا وبشكل كبير بسبب ما تشهده المنطقة من معطيات وتغيرات اقتصادية . د. محمد ابراهيم الرميثي