تتضارب وتتباين آراء خبراء الطاقة حول احتمال استمرار انخفاض اسعار النفط, فمنهم من يذهب الى ان هذا الانخفاض سوف يستمر لفترة طويلة مقبلة, ومنهم من يرى ان المساعي والجهود التي تبذلها الدول المنتجة للنفط حاليا سوف تحقق نتائج ايجابية وتؤدي الى ارتفاع الاسعار, ومنهم من يرى ان هناك ظروفا اخرى خلاف هذه المساعي سوف تؤدي الى ارتفاع الاسعار في المستقبل القريب . ومن انصار الرأي الاول الذي يرى استمرار الانخفاض البروفيسور (توماس فالدا) رئيس المنظمة الاوروبية للطاقة والذي يقول ان انخفاض سعر النفط الحالي سوف يستمر لفترة طويلة وهذا ماتوقعناه من قبل وان هذا الوضع لن يشجع على تطوير مصادر الطاقة الاخرى البديلة لان انخفاض الاسعار لن يدفع للبحث عن بديل ولن يشجع على تطوير طاقة بديلة اعلى تكلفة رغم توافر العناصر البيئية التي تدفع للبحث عن الطاقة البديلة. وفي حديث لمجلة (النفط والصناعة) يقول (فالدا) ان هناك الان منتجين جددا حريصون على اختراق الاسواق العالمية للنفط مثل جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق اذربيجان وكازاخستان وتركمنستان وهذا في حد ذاته يجعل من الصعب التحكم في الاسعار العالمية للنفط مثلما كان يحدث من قبل في السبعينات هذا الى جانب التدني الكبير في الطلب على النفط فيالوقت الحاضر في اسيا وامريكا اللاتينية ودول اخرى بسبب الازمات الاقتصادية والمالية العالمية كما ان الزيادة المستمرة لانتاج النفط في العراق لها تأثير سلبي على الاسعار. عوامل ارتفاع الاسعار رغم كم عوامل الانخفاض فإن (فالدا) يرى ان الطلب على النفط سوف يزداد مرة اخرى عندما يتحسن الوضع الاقتصادي العالمي وهناك عوامل اخرى سوف تساعد على ارتفاع اسعار النفط ومنها امكانية خروج بعض المنتجين الصغار خلال العامين المقبلين من اسواق النفط بسبب تقادم حقول النفط وعدم صلاحيتها للانتاج, ايضا المنتجون الجدد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق سوف يواجهون مشاكل عديدة للنهوض بإنتاجهم ومنها مشاكل نقل ومد خطوط انابيب النفط للاسواق العالمية والتي تحتاج الى نفقات باهظة وتعترضها عوائق جغرافية وسياسية كثيرة الى جانب تكاليف الانتاج التي لاتتحملها ميزانيات هذه الدول والنزاعات السياسية التي تعوق جذب الاستثمارات الاجنبية الى هذه الجمهوريات, ويرى (فالدا) ان هذه المشاكل موجودة وتنمو باستمرار وسوف تحد من دخول هذه الجمهوريات اسواق النفط العالمية بقوة وايضا المشاكل والازمات الاقتصادية التي تعاني منها روسيا والتي سوف تعوق دخولها بقوة في الاسواق العالمية وكل هذا في النهاية سوف يساعد على ارتفاع اسعار النفط في المستقبل. السعر العادل ويقول (فالدا) انه من الصعب العمل بمفهوم السعر العادل في اية صناعة, فالاسعار المتدنية من وجهة نظر المنتجين اسعار غير عادلة, والاسعار المرتفعة ايضا من وجهة نظر المستهلكين اسعار غير عادلة, ويرى (فالدا) ان المستهلكين اقدر على التكيف مع الاسعار من المنتجين, وعندهم القابلية للتعامل مع الاسعار المرتفعة والمنخفضة على حد سواء وهذا ما اثبته التاريخ, اما المنتجون فمشكلتهم اكبر بسبب اعتمادهم الكبير على النفط الذي يشكل الجزء الاكبر من دخلهم ولهذا فإنه يصعب عليهم الان التكيف مع الانخفاض في الاسعار وهذا في حد ذاته يؤكد ان استمرار تضخم اي سلعة عالميا ويشير الى مخاطر كبيرة على المنتجين لهذه السلعة والمعتمدين عليها في اقتصادياتهم لان اهتزاز اسعار هذه السلعة وميلها للانخفاض يسبب دائما ازمات حادة لهؤلاء المنتجين. والسعر العادل للنفط في رأي (فالدا) هو الذي يأتي في ظروف مستقرة وبعد تحسن تدريجي في الاسعار وليس نتيجة طفرات واسباب طارئة ولكن هذا التحسن التدريجي لن يأتي في رأي (فالدا) الا بعد مساع جيدة من الدول المنتجة واستخدامهم لآليات منتظمة ومتفق عليها بينهم. مستقبل النفط وحول المستقبل المتوقع للنفط والغاز كمصادر اساسية للطاقة الان يقول (فالدا) انني اعتقد ببقاء الغاز والنفط كسلعة هامة جدا نظرا لاستعمالاتها المتعددة في الطاقة والكيمياء, ولكن اولوية النفط كوقود سوف تنخفض نظرا للتطور التكنولوجي في وسائل المواصلات الحديثة التي تميل كلها الى الاقتصاد في الوقود, هذا الى جانب العوامل البيئية ومتطلبات الحفاظ على البيئة ضد التلوث والتي اصبحت تشكل ضغوطا فعلية على استخدامات النفط وتنمو باستمرار. ويرى (فالدا) ان اعتدال اسعار النفط واستقرارها سوف يساعد على استمرارية استخدامه كمصدر اساسي للطاقة خاصة اذا كنت الاسعار تميل للانخفاض ولكن عندما ترتفع الاسعار بطريقة فجائية كما حدث عام 1980 فإن هذا سوف يدفع الكثيرين الى اعادة النظر في استخدام النفط وسوف يدفعهم للبحث عن مصادر اخرى. ويتوقع (فالدا) ان يستمر النفط المصدر الاول للطاقة على مدى جيلين مقبلين ولفترة لاتقل عن خمسين عاما, وبعد هذا سوف تتأثر بشدة اقتصاديات الدول التي تعتمد على النفط كمصدر اساسي للدخل, وهذه الدول مازالت الفرصة امامها من الان ولمدة نصف قرن مقبلة للبحث عن مصادر اخرى للدخل. مستقبل الطاقة النووية وحول تأثير (بروتوكول) كيوتو على انتاج النفط يقول (فالدا) ان السعي حاليا وفقا لهذا البتروتوكول الى تقليص استخدامات الفحم والنفط بسبب تأثيراتهما السلبية على البيئة والطقس العام للارض وسوف تسعى الحكومات للتقليل من استخدامهما واتوقع ان تتوجه الدول الى الطاقة النووية وتعطيها اهتماما اكبر في المجالات السلمية كبديل لمصادر الطاقة الاخرى, وان كان هذا مازال امرا بعيد المنال, ولكن التوجه موجود ويعتمد في الاساس على تطور استخدام التكنولوجيا النووية في المجالات السلمية وطرحها بسهولة لتصبح في متناول الجميع. وحول مستقبل المصدر الثاني للطاقة والمرتبط بالنفط وهو الغاز الطبيعي يقول (فالدا) ان الغاز كان يحرق عند الاستخراج ولكن الان ولاسباب بيئية واقتصادية جذب الغاز الطبيعي اهتمام المنتجين خاصة بعد تحول اوروبا وامريكا عن استخدام الفحم بسبب تأثيراته السلبية على البيئة وتوجههم الى استخدام الغاز, واعتقد ان الدول ذات الكثافة السكانية العالمية مثل الصين والهند سوف تحذو نفس الحذو قريبا وسوف تتخلى عن الفحم وتتوجه لاستخدام الغاز الطبيعي, وهذا في حد ذاته يبشر بمستقبل مشرق لاسواق الغاز الطبيعي العالية, ولكن هذا لن يأتي بصورة قوية في المستقبل القريب نظرا لتكلفة الانتاج العالية للغاز الطبيعي وايضا النفقات الباهظة في نقله, وسوف يأتي التطور تدريجيا. المنصات البحرية القديمة وتعرض الخبير (فالدا) لمشكلة التخلص من منصات انتاج النفط البحرية القديمة بعد نفاد النفط من الحقوق حيث قال ان هذا اصبح مؤخرا موضوعا ساخنا خاصة وان هناك منصات كثيرة الان قديمة ولاتستعمل خاصة في بحر الشمال وفي المكسيك واتفاقية عام 1958 للبحار تلزم الدول بالتخلص التام من هذه المنصات وهذا امر مكلف حيث يحتاج التخلص من المنصة الواحدة لحوالي اربعين مليون دولار وقد لجأت بعض الشركات الى وسائل اخرى لتفادي هذه النفقات الباهظة ومنها شركة (شل) التي لجأت الى اغراق المنصات البحرية القديمة مكانها في بحر الشمال, ولكن تحت تأثير (اللوبي البيئي) واحتجاجاته توقفت شل عن هذا الاسلوب ولكن المشكلة مازالت قائمة خاصة عند الدول النامية التي لاتستطيع تحمل نفقات التخلص من هذه المنصات البحرية. ويعد البروفيسور توماس فالدا من مشاهير خبراء الطاقة العالميين وقد عمل بوظيفة كبير المستشارين بمشروعين هما قانون الطاقة والاستثمار في النفط والغاز بكل دول شرق اوروبا واوزبكستان وروسيا واوكرانيا واذربيجان في الفترة من 1995 وحتى الان كما عمل في العديد من المشاريع الاستثمارية الكبرى في قطاع النفط في امركيا اللاتينية وافريقيا, وايضا عمل فالدا مستشارا للعديد من الحكومات العربية في مجال الطاقة مثل حكومات السعودية وسلطنة عمان ومصر والمغرب وتونس. توماس فالدا منصة نفط بحرية