لخص الرئيس الفرنسي جاك شيراك مزايا الحدث التاريخي المتمثل في ميلاد اليورو بأنه يمثل عنصر استقرار اضافيا في العلاقات النقدية الدولية, واختيارات أوسع في المشتريات بأقل الأسعار, وأسواقا جديدة, وامكانيات استثمار لم تكن سانحة لأوروبا من قبل , وبالتالي فرص تشغيل اضافية. فإذا كانت هذه هي نظرة أصحاب (اليورو) إلى المزايا التي يمكن أن يجنوها منه, فماذا عن الأمم والتجمعات الاقتصادية الأخرى, وكيف تنظر إلى هذا الكائن الجديد, وبالتحديد, نريد أن نتسائل عن موقف دول الخليج العربي من ميلاد اليورو, وكيف يمكن أن تستفيد منه. وبداية لابد من القول بأن العلاقات الأوروبية الخليجية تتميز بالقدم والمتانة. وبسبب هذا التميز دخل الجانبان, من خلال مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي, في حوار لتأطير هذه العلاقة, لكنها لم تحقق انجازا رئيسيا خلال عقد من الحوار, لذلك فإن المفاوضات حول مختلف جوانب تلك العلاقة لا تزال مستمرة. إن التحدي الذي يثيره اطلاق اليورو أمام الدول الخليجية يتجاوز الاثار المباشرة لكيفية التعامل مع السوق الجديدة الضخمة التي انفتحت ــ مع أهمية هذا الجانب ــ على كيفية الاستفادة من هذا التحدي, لتتمكن دول الخليج من اقامة اتحادها الجمركي, وتضع بذلك اللبنة الأولى أمام عمل اقتصادي فعال للمستقبل. إن الدول الخليجية تشتكي حاليا من تراجع موقع شراكتها التجارية مع المجموعة الأوروبية حيث كانت تمثل التجارة الخليجية الأوروبية نحو الثلث من حجم التجارة الأوروبية عام 1980 ثم تراجعت إلى نحو 10% في الوقت الحاضر, وهناك أيضا العجز المتنامي في الميزان التجاري لصالح أوروبا, وضعف الاستثمارات مقارنة بالاستثمارات اليابانية والأمريكية في دول المجلس, بل مقارنة بحجم الاستثمارات الخليجية في أوروبا. ويرى بعض المحللين ان أوروبا حتى قبل أن تتوحد وتفتح أسواقها لتشكل أكبر اقتصاد عالمي كانت تكابر في الاستجابة لمطالب دول المنطقة, فكيف سيكون عليه الوضع بعد توحدها. لذلك فإن ميلاد اليورو سوف يكون له تأثير سلبي على الجهود الخليجية لتحقيق تلك المطالب. إلا ان هذا التحليل مردود علينا أيضا خصوصا عندما يحسن المسؤولون بالحكومات الخليجية استخدام اليورو كسلاح لدفع تلك الجهود لتحقيق تلك المطالب قدما إلى الأمام. إن الدول الأوروبية وظفت كافة امكاناتها لانجاح اليورو, وبالتالي فإنه يهمها استراتيجيا ان تقطف ثمار هذا النجاح من خلال انتشار استخدام العملة الأوروبية الموحدة في معاملات الاقتصاد العالمي. لذلك فإن المسؤولين الخليجيين بامكانهم التلويح بامكانية التوسع في استخدام اليورو مستقبلا في جوانب ثلاثة رئيسية هي سلة تقييم عملاتها عالميا وتسعير مدخولاتها من النفط وأرصدة الاحتياطيات النقدية لبنوكها المركزية وذلك في مقابل قيام المسؤولين الأوروبيين بتقديم تنازلات تجارية واستثمارية تعيد ميزان العلاقات الاقتصادية الخليجية الأوروبية إلى وضعه الصحيح.