لقد أولت الدولة منذ نشأتها اهتماما خاصا بقطاع الصناعات التحويلية ودأبت على تنميته وتطويره, وتشير المؤشرات الاحصائية اليوم على أن هذا القطاع قد بلغت نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي 15.2%, وهي نسبة لا بأس بها غير انه من المتوقع ان تتباطأ نسبة النمو هذه اذا لم يحدث تطور في انفتاح الأسواق الخليجية والعربية وتفعيل عملية زيادة معدلات التجارة البينية بين مختلف أقطار العالم العربي, حيث تشير كافة دراسات الجدوى الاقتصادية التي تجرى على القطاعات الصناعية إلى ضيق الأسواق المحلية والخليجية للسلع المستهدفة بالتصنيع, وذلك نظرا لكبر حجم الطاقات الانتاجية للصناعات الحديثة من ناحية ونظرا لاشتداد حجم المنافسة العالمية وبروز الكثير من الدول حديثة العهد بالتصنيع, وتفضيل المستهلك المحلي للسلع الأجنبية. إن أهم عقبة تواجه التصنيع اليوم هي عقبة الأسواق فوجود الأسواق التقليدية الثابتة على نمط معين من السلع وعلى صناعات معينة لم يعد لها وجود في عالم اليوم الا في سلع معينة أما أغلب الصناعات والسلع المصنعة فأصبح المستهلك حرا طليقا في تحديد اختياراته وذلك بسبب تعدد وتنوع مصادر الصناعات وتنوع الماركات التجارية وتعددها فأصبح تحدي الأسواق هو التحدي الحقيقي الذي يواجه أي صناعات اليوم, ومن هذا المنطلق أصبح للتسويق علم قائم بذاته له أصوله وقواعده ونظمه وأصبحت دراسة السوق من أهم أركان دراسات الجدوى الاقتصادية اليوم وهي علم وفن في ذات الوقت. وعلى الرغم من أن حجم الانفاق الاستهلاكي النهائي (أي الكلي) يشير إلى أرقام عالية حيث تجاوز 119 مليار درهم في عام 1998م (24% منه نصيب القطاع الحكومي, و76% منه للقطاع الخاص) الا ان ذلك لا يعكس بالضبط حجم السوق المناسبة للسلع القابلة للتصنيع المحلي حيث ان حجم الاستهلاك هذا يعكس استهلاك كافة السلع, بما في ذلك السلع غير القابلة للتصنيع المحلي, أو غير مستهدفة ومما يعكس ضيق السوق كذلك حجم اعادة التصدير من اجمالي الواردات حيث بلغت الواردات في عام 1998م حوالي 101 مليار درهم في حين بلغ اعادة التصدير حوالي 39 مليار درهم, أي حوالي 39% هذا فضلا عن إعادة التصدير غير المسجل بشكل رسمي ونقصد بذلك ما يحمله الزائرون والمسافرون عموماً من هدايا وسلع لايتم استهلاكها محليا ولا تسجلها الجهات الرسمية كسلع أعيد تصديرها وهو ما قد يصل بالنسبة التي ذكرناها الى 50% وبالطبع يقابله ما يحمله القادمون الى الدولة بنفس الطريقة الا انه قد يكون أقل منه وذلك نظرا لانخفاض الاسعار في الدولة عموماً عن الدول الأخرى, وحتى ولو بقيت النسبة على ما هي عليه فهي تدل ايضا على ضيق السوق المحلية بشكل عام فهي لا تستوعب الا نصف الواردات السلعية. والحقيقة ان مشكلة الاقتصاديات حتى بداية عقد السبعينات كانت مشكلة عرض حيث كانت الاسواق تستوعب العرض الكلي على مستوى العالم, أما اليوم وقد تطورت الآلات والمعدات وتطورت وسائل الاتصال والمواصلات ووسائل النقل والشحن والتخزين والتأمين ووسائل التمويل, وتطورت حركة انتقال رؤوس الأموال والخبرة والتكنولوجيا والقوة العاملة, ومع تزايد الشركات الأجنبية وتنافسها للحصول على امتيازات تصنيع وتسويق في الدول حديثة العهد بالتصنيع, فمع كل هذه المتغيرات الاقتصادية التي ذكرناها وعلى الرغم من اتساع حجم الأسواق العالمية الا ان الأسواق ظلت عاجزة عن استيعاب حجم الانتاج المتزايد, وبالتالي أصبحت مشكلة الاقتصاديات هي مشكلة طلب (أي بمعنى آخر مشكلة تسويق) بدلا من ان كانت مشكلة عرض, فكيف السبيل الى ايجاد طلب وفتح الأسواق. ان أهم مفتاح للأسواق هو البدء بأسواقنا والبحث عن السلع التي تحتاج اليها الأسواق المحلية بكثرة وتستنزف بالتالي كميات ضخمة من رؤوس الأموال التي تتدفق الى الخارج لقاء استيراد تلك السلع, فنركز بالتصنيع والتجميع على تلك الأنواع من السلع, ويأتي على رأس تلك السلع, السلع الاستهلاكية, مثل الأقمشة والمنسوجات والأحذية والمعلبات الغذائية والكمبيوتر والسيارات وقطع غيار السيارات ومواد البناء والتشييد ومحروقات السيارات وغيرها .. والحقيقة ان كل ذلك يدفعنا الى التأكيد على ضرورة فتح الأسواق العربية والعمل على إزالة العقبات التي تعترض حركة السلع والبضائع بين الأسواق العربية بعضها البعض.