أظهرت الاحصائيات التي نشرها المصرف المركزي مؤخراً ان حجم القروض الشخصية قد نما نمواً مضطرداً خلال السنوات الاخيرة مسجلاً رقمياً قياسياً جديدا حيث نما من 5.19 مليار درهم في سبتمر 1996 الى 3.26 مليار درهم في سبتمبر 1998م وقد شكل الحجم الاجمالي للقروض الشخصية في 98 ما نسبته 29% من اجمالي حجم الائتمان المقدم للقطاع الخاص والبالغ 7.90 مليار درهم وذلك كما تظهر الاحصائيات في سبتمبر 1998م. ولقد اثار هذا الموضوع جدلاً واسعاً ونقاشاً واسعاً بين جماهير الشعب وتمت مناقشة الموضوع كذلك في المجلس الوطني الاتحادي وكانت ردود الفعل كبيرة جداً على كافة الاصعدة. والحقيقة ان حجم القروض هذا لم يكن ليثير قضية تذكر لو قام المقترضون (المدينون) بسداد ديونهم للبنوك بشكل منتظم كما هو متفق عليه بينهم وبين البنوك الا ان القضية بدأت تبرز على السطح وتأخذ هذا المستوى من النقاش بسبب تعثر اغلب المدينين عن السداد وتوقعات تباطؤ معدلات التنمية الاقتصادية في الدولة في المستقبل المنظور بسبب تدهور اسعار النفط من ناحية وبسبب مناورات النظام العراقي وما تجره من حروب وازمات الى المنطقة. فمن هو المسؤول عما يجري حول هذا الموضوع؟ في الحقيقة كافة الاطراف المعنية بالأمر هي المسؤولة عما يجري وبدرجات متفاوتة وسوف نقوم ببيان توزيع المسؤوليات من وجهة نظرنا حسبما نراه مهماً, اي اننا سوف نبدأ بالمسؤول الأول والأهم ثم يليه الأقل أهمية وهلمجرا كما هو مبين ادناه: 1ــ المسؤول الاول عن هذه الظاهرة هو البنوك التجارية التي قامت بمنح التسهيلات الائتمانية والقروض والسلف والسحب على المكشوف بهذه الطرق الميسرة في بداية الاقتراض والمعقدة بعد ذلك.. وهي اشبه ما تكون بقراقير صيد الاسماك حيث يدخل السمك اليها بسهولة ويسر ولا يستطيع الخروج منها ابداً وتنبع مسؤولية البنوك من عدة جوانب نفصلها في الآتي: أ) تمنح البنوك تسهيلات ائتمانية وقروضا وسلفا للعملاء تحت مسمى القروض الشخصية وبضمانات شخصية أو حتى بدون ضمانات لبعض العملاء وهي تعلم علم اليقين أن هذه القروض لن تستخدم لاغراض شخصية ولا يصح اصلاً تصنيفها كقروض شخصية, حيث تستخدم تلك القروض للمضاربة بالاسهم ولتمويل الاكتتاب الاولي بالاسهم كذلك وهذه في الحقيقة ليست قروضا شخصية (استهلاكية) ولكنها قروض استثمارية. بيد ان البنك التجاري يريد ان يتجاوز السقف الائتماني الذي حدده له البنك المركزي لتمويل الاستثمارات والمضاربات بالاسهم والمحدد بـ 10% من الحجم الاجمالي للائتمان الممنوح فيلجأ الى هذه الطريقة غير القانونية في ظل ضعف الجهاز الرقابي التنفيذي والاداري لدى السلطات النقدية (المصرف المركزي) الذي لا يتمكن من ضبط تلك الطرق ضبطاً قضائياً متلبساً حين وقوع التنفيذ. ب) لا تقوم البنوك التجارية بحملة توعية وتثقيف لعملائها, فيجب على كل بنك تجاري ان يوجد مرشدا للأعمال او اكثر (Business Advisor) يقوم هذا الجهاز الارشادي بتوعية العملاء وتثقيفهم حول العمليات المصرفية التي يريدون القيام بها وابعادها وما سيترتب عليهم من التزامات قانونية بشأنها. والحقيقة ان ما نراه في البنوك اليوم هو عكس ذلك تماماً, فموظفو البنوك يروجون للقروض الشخصية ويرغبون العملاء بها دون ان يوضحوا لهم ابعادها. وفي ظل محدودية الثقافة المصرفية لدى العملاء يقبل الكثيرون على اخذ القروض والسلف وهم لا يدركون ابعادها وما يترتب عليها من التزامات. ج) احتساب الفوائد والرسوم على تلك القروض يتم بشكل مزاجي يختلف من بنك الى آخر ويختلف باختلاف العملاء وباختلاف الموظفين وهذه ظاهرة خطيرة يجب ان توضع عليها ضوابط من قبل المصرف المركزي ايضاً. 2ــ المسؤول الثاني بالأهمية هو المصرف المركزي. فعلى المصرف المركزي ان يفرض سلطته على كافة المصارف بشكل عادل ومتساو يتفق مع الضوابط والقوانين الموضوعة فالعمل المصرفي يرتبط مباشرة بحقوق الجماهير التي اودعت اموالها في البنوك ثقة منها بقوة سلطة الحكومة (ممثلة في البنك المركزي) وبالتالي لا مجال فيها اطلاقاً لجانب التراخي او التساهل تحت اي ظرف. كما ان على المصرف المركزي ان يعمل على تقوية الجهاز الرقابي لديه وتزويده بالتكنولوجيا اللازمة وتكثيف التدريب على موظفي ادارة الرقابة واختيار العناصر المناسبة لتلك الادارة او تزويدهم ببعض الخبرات اللازمة والتي تمكنه من ضبط المخالفات في وقت مبكر من وقوعها بدلاً من الانتظار فترة طويلة حتى تصله تقارير حول ذلك الموضوع بعدها يكون الموضوع قد تجسم وكبر حجمه الى درجة يصعب معها علاجه فإذا تم تشخيص المرض في وقت مبكر تصبح السيطرة عليه اسهل. ونحن لا نطرح هذا القول للتقليل من اهمية المصرف المركزي بل على العكس من ذلك يعتبر المصرف المركزي في الدولة من الاجهزة الحكومية الرائدة على المستوى الاداري والتنظيمي الا اننا نطرح وجهة نظر شخصية حول موضوع محدد خاصة واننا مقبلون على انشاء سوق للاوراق المالية وان التصنيف الدقيق لانواع القروض يعتبر موضوعاً غاية في الاهمية ولا يجوز اطلاقاً منح قروض استثمارية وتصنيفها كقروض شخصية حيث ان في ذلك تضليل وتزوير ومخالفة صريحة للانظمة والقوانين. 3ــ المسؤول الثالث في الاهمية هم المقترضون (المدينون) وفي الحقيقة ان بعض المقترضين على علم وادراك ووعي تام بالمسؤولية المترتبة على الاقتراض اما بعضهم الآخر فهم على جهل بذلك بيد اننا وضعناهم في الترتيب الثالث لانه لو لم تتح لهم البنوك الفرص في الاقتراض لما اقترضوا حيث ان وضوح الهدف وسهولة الوصول اليه يشجعان الشخص على السعي لتحقيق اهدافه. ولا شك ان تأسيس البنك العقاري سوف يساهم في الحد من هذه الظاهرة حيث ان نسبة كبيرة من القروض الشخصية تخصص لبناء مساكن.