تم مؤخراً ولادة اليورو بعد فترة مخاض استمرت اكثر من أربعين عاماً. ولقد تمت الولادة بجراحة قيصرية تزعمها فريق عمل اشرف على رأسه المانيا وفرنسا , وامتنعت السويد صاحبة اقدم بنك مركزي في التاريخ (نشأ البنك المركزي في السويد سنة 1656م) وبريطانيا صاحبة ثاني اقدم بنك مركزي في التاريخ (نشأ بنك انجلترا عام 1694م) من الانضمام الى الوحدة النقدية في الوقت الحاضر وبدأت الأسواق المالية والنقدية والمصرفية باستقبال المولود الجديد بكل ثقة وذلك ايماناً منهم بأن ذلك المولود الجديد لم يولد الا بعد دراسة متأنية ودقيقة ولثقتهم بالاقتصاديات الاوروبية من حيث قوتها وتنظيمها ولذلك نستطيع القول بأن اليورو ولد عملاقاً فهل يتفوق على الدولار الامريكي ولماذا؟ دعنا نستعرض معك عزيزي القارىء بعض النقاط الهامة للمقارنة بين هذين العملاقين: 1ــ على الرغم من ان الدولار كان موجوداً منذ زمن قديم يرتبط بالتاريخ النقدي والمصرفي للولايات المتحدة الامريكية الا ان الدولار اكتسب مكانته العالمية كعملة دولية منذ مؤتمر بريتنوودز عام 1944م حيث حل الدولار الامريكي بعد ذلك المؤتمر محل الذهب في النظام النقدي العالمي واصبحت البنوك المركزية تثق فيه كاحتياطي نقدي, فأصبح من يملك دولارات امريكية تماماً كمن يملك ذهباً, واستمرت الدول على هذا الحال حتى بداية السبعينات عندما اعلنت الولايات المتحدة الامريكية رسمياً عن تخليها تماماً عن تحويل الدولار الى ذهب وذلك بسبب ازدياد حجم الدولارات المصدرة على مستوى العالم حيث لا تكاد تخلو دولة من دول العالم من وجود أرصدة لديها بالدولار الامريكي ولكن الدولار استطاع خلال تلك الفترة الطويلة ان يكسب ثقة الجماهير والحكومات والبنوك المركزية وبسبب الثقل الاقتصادي والسياسي الذي تمثله الولايات المتحدة الامريكية على مستوى العالم استطاع الدولار ان يثبت نفسه كعملة دولية تحتل المرتبة الأولى على مستوى العالم. في المقابل نجد اليورو لم يكن مدعوماً باتفاقية دولية وليس بالامكان تحويله الى ذهب بحرية تامة لدى البنوك المركزية الاوروبية ولن يوجد له عملة ورقية الا بعد ثلاث سنوات بل على العكس من ذلك فإن البنوك الاوروبية تريد من الجماهير والحكومات والبنوك المركزية تحويل الارصدة من العملات الاخرى الى اليورو وذلك لقياس قوة اليورو بحجم الودائع التي تمت باليورو وبحجم التعاملات التي تمت باليورو بعد فترة من انشائه فهو ما زال تحت فترة الاختبار. 2ــ نشأ الدولار في ظروف دولية مختلفة حيث كانت الدول قد خرجت من حربين عالميتين فكانت دول العالم بحاجة ماسة الى برامج تطوير وتنمية اقتصادية (مثل برنامج مارشال مثلاً) ويعني ذلك زيادة الطلب العالمي الكلي على كافة السلع والبضائع والخدمات مما يعني ضرورة زيادة الانفاق في مقابل ذلك كان العالم يعاني من نقص حاد في السيولة العالمية فكان المجال مفتوحاً امام الدولار الامريكي لزيادة الاصدار منه وهذا هو ماحدث بالفعل. أما اليوم فالعالم يعاني من انخفاض حاد في الطلب الكلي على السلع والخدمات وهناك ركود اقتصادي عالمي وانهيار في اسواق جنوب شرق آسيا وتخمة في اسواق النفط وزيادة حادة في السيولة الدولية وزيادة حادة في العرض العالمي من السلع والخدمات التي تجد صعوبة حادة في تسويقها على مستوى العالم ولم يعد هناك مجال لمزيد من الاصدارات النقدية باليورو ولذلك نجد ان دول الوحدة الاوروبية قد اخرت اصدار اليورو ولن يتم اصداره الا بعد ان توجد ارصدة مصرفية باليورو تغطي حجم الاصدار المستهدف بعد ثلاث سنوات, وتعتبر فترة الثلاث سنوات فترة كافية لايجاد ارصدة مصرفية باليورو تحل محل ارصدة مصرفية بعملات اخرى (قد تكون اوروبية أو اجنبية) . فاليورو كاصدار نقدي ليس له مجال في الوقت الحاضر في النظام النقدي العالمي وانما سوف يحل بالتدريج محل الارصدة المصرفية بالعملات الاخرى وذلك بسبب الظروف التي ذكرناها. 3 ــ على الرغم من كون الدولار عملة امريكية الا انها كانت مستهدفة في مؤتمر برتينوودز عام 1944م بشكل رسمي وعلني لتصبح عملة عالمية كما ذكرنا في النقطة الاولى, الا ان اليورو لم يعلن له رسميا اهداف دولية في النظام النقدي العالمي الا ان المحللين فقط هم الذين يخمنون بأنه سوف يكون منافسا قويا للدولار الامريكي ليحد من المكانة الدولية للدولار ويكبح من جماح الهيمنة الاقتصادية الامريكية على مستوى العالم . فالدول الاوروبية لها اهداف ومصالح اقليمية اوروبية من اصدار اليورو وقد يكون لها اهداف وغايات دولية. 4 ــ ان امتناع اربع دول من دول الوحدة الاوروبية عن الانضمام الى الوحدة النقدية واستمرار الخلافات حتى على مقر البنك المركزي الاوروبي ورئاسته ونظامه وسلطته وسيادته يدل دليلا قاطعا على انعدام التجانس الاقتصادي والمالي والمصرفي بين دول الوحدة الاوروبية وذلك على الرغم من وجود اوجه التشابه ومقومات الوحدة الا ان ذلك لايرقى الى مستوى التجانس. اما الولايات المتحدة الامريكية فقد اوجدت ذلك التجانس بين اجزائها وولاياتها واصبحت تحكمه الاعراف والتقاليد بالاضافة الى حكم الدستور والقوانين الاقتصادية التي تدور في اطاره ويعتبر ذلك التجانس من اهم عوامل الثقة بالعملة وبالنظام النقدي والمصرفي الذي يضمن استمراره واستقراره. 5 ــ وكذلك من الناحية السياسية نجد ان الولايات المتحدة الامريكية دولة فدرالية متجانسة التكوين والتركيب عريقة النشأة ولديها استقرار سياسي يحكمه الدستور والقوانين المرتبطة به والتي تدور في اطاره والاعراف والتقاليد. في حين نجد ان دول الوحدة الاقتصادية الاوروبية تفتقر الى ذلك في الوقت الراهن ولا توجد بوادر نحو الوحدة السياسية تلوح في الافق المنظور, ويعتبر ذلك من أهم عوامل دعم الثقة بالعملة وبالنظام النقدي والمصرفي والمالي, بل والنظام الاقتصادي برمته. بعد هذا العرض الموجز لا اعتقد شخصيا بأن اليورو سوف يكون متحدياً خطيراً للدولار بل يبدو ان الدولار سوف يظل العملة الوحيدة الاولى في العالم في الافق المنظور. ولا شك ان اليورو سوف يحتل مكانته على مستوى العالم لكنه لن يكون بديلا عن الدولار بحال من الاحوال الا اذا تحققت الوحدة السياسية الاوروبية بشكل فدرالي.