ما زال هناك وقت للجدل والنقاش حول العملة الأوروبية الموحدة ــ اليورو ــ فهناك أيضا إلى جانب الصورة المتفاءلة لتداعيات الحدث رؤية مختلفة تشير إلى وجود مخاطر وحساسيات في مسيرة اليورو على الأقل في سنواته الأولى . الآراء غير المعلنة تتفق على عدم الحديث في الوقت الراهن عن فكرة الولايات المتحدة الأوروبية خوفا من اثارة الحساسيات السياسية فالمشوار ما زال طويلا. المهم حاليا التأكيد على انه باطلاق العملة الأوروبية الموحدة نشأت كتلة اقتصادية عملاقة تنافس الولايات المتحدة الأمريكية في الحجم, فمنطقة أو أرض اليورو تضم ما يقرب من 300 مليون نسمة وتمثل 19,4% من الناتج المحلي الاجمالي في العالم و18,2% من التجارة العالمية وذلك مقابل 19,6% من الناتج المحلي الاجمالي في العالم تمثله الولايات المتحدة. و16,6% من التجارة العالمية, فيما تمثل اليابان 7,7% من الناتج المحلي العالمي و8,2% من التجارة العالمية. مع بدء التعامل في الأسواق العالمية في اليورو في الرابع من يناير انطلقت المغامرة الأوروبية كما يحلو للبعض ان يطلق عليها فهذه الخطوة هي أكبر مجازفة تقدم عليها الدول الأوروبية ولكنها من جانب آخر قد تغير وجه القارة الأوروبية كليا وتوازنات العالم, وهي أهم خطوة في مجال النقد في العالم منذ اطلاق الدولار الأمريكي في عام 1792. ولم يكن الطريق نحو العملة الأوروبية سهلا فقد أسس نظام النقد الأوروبي في أول التسعينات ليمهد الزعماء الأوروبيون به الأرض نحو العملة الموحدة, ولكنهم وجدوا بعد عامين فقط هذا النظام يترنح تحت ضربات مضاربي أسواق المال, واضطرت دول مثل بريطانيا وايطاليا إلى الخروج منه. ورغم ما حدث فقد صمم المستشار الألماني السابق هيلموت كول والرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران على المضي في الطريق إلى نهايته, وتحققت الفكرة بالفعل. وقد ثبت ان الإرادة السياسية في أوروبا لاطلاق العملة الموحدة كانت أقوى من الكثير من العقبات رغم وجود بعض الاعضاء الذين لم يستكملوا بعد الهيكل المطلوب من أجل الدخول في مرحلة الوحدة النقدية. ولا بد من الاشارة هنا إلى ان تأسيس السوق الأوروبية المشتركة في عام 1957 جاء على خلفية الرغبة في تجنب نشوب حروب جديدة في القارة الأوروبية وذلك بعد حربين عالميتين مدمرتين في النصف الأول من القرن. ولذلك فإن خطوات الوحدة الأوروبية بعد ذلك كانت في حقيقتها بمثابة عملية نزع لأسلحة السياسة المحلية عن طريق تسليم صلاحيات والتنازل عن جزء من السيادة إلى كيان اقليمي أكبر. ولا بد أن أكبر خطوة في هذا المجال هي العملة الموحدة باعتبار ان العملة هي أحد الرموز الهامة جدا لسيادة أي دولة. أهداف ومرحلة وإذا كانت المرحلة الانتقالية ومدتها ثلاث سنوات والتي لم يشهد فيها الناس أوراق نقد اليورو في جيوبهم كما أهدافها الاقتصادية فإنه لابد أن لها ايضا أهدافها النفسية المهمة وهي تعويد الناس تدريجيا على ان اليورو أصبح واقعا في حياتهم. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ضوء حقيقة ان الاستفتاءات التي جرت حول دخول اليورو في دول الاتحاد أظهرت ان اغلبية ضئيلة هي التي تؤيده. ومازال قطاع كبير من الرأي العام (أقل من النصف بقليل) في الدول الأوروبية الكبيرة لا يتقبل فكرة التنازل عن العملة المحلية لصالح اليورو. وهذا يعني ان المرحلة الأولى ستكون هامة جدا لان أي خطأ في معالجة الأمور سيؤدي إلى انقلاب الرأي العام ضد الفكرة وتحميل اليورو المسؤولية خاصة ان الفريق المعارض سينتهز أي فرصة سانحة للاجهاز على اليورو قبل أن يشتد عوده مرة واحدة وللابد. والنتيجة الرئيسية لليورو هي شيئان ضروريان الأول هو وجود سياسة نقدية موحدة تغطي كل الدول الأعضاء وهدفها التحكم في معدلات التضخم والثاني نشوء سوق مالية موحدة مندمجة, ولكن نتائجها الكاملة ستأخذ وقتا حتى تعطي مفعولها. شكوك ودولتان وقد أغمضت دول الاتحاد الرئيسية وخاصة ألمانيا أعينها عن بعض الدول التي لم تكيف اقتصادها بعد حسب هيكل الشروط المطلوبة من أجل الوحدة النقدية. وتتركز شكوك الاقتصاديين حول دولتين بالتحديد وهما بلجيكا وايطاليا واللتين دخلتا (اليورو) مع الدفعة الأولى من قطار المسافرين إليه. ومشكلة الدولتين ان ديون الحكومة في الدولتين تتجاوز بحوالي الضعف الشرط الذي وضعته اتفاقية الوحدة النقدية وهو ألا يتجاوز 60% من الناتج المحلي الاجمالي. ولكن ألمانيا القت بثقلها وراء ان تكون الدولتان بين الـ 11 دولة الأعضاء في اليورو عندما حددت أسماء هذه الدول في مايو الماضي. وما زالت اليونان خارج القطار تحاول جاهدة الوصول إلى الشروط المطلوبة للالتحاق باليورو في عام 2001 عن طريق الانضمام إلى نظام النقد الأوروبي في مارس المقبل. ووفقا للشروط فإنه يتعين على الدولة العضو في الاتحاد الاوروبي ان تبقى عامين على الأقل في نظام النقد الأوروبي قبل الانضمام إلى اليورو وذلك بهامش حركة لعملتها لا يتجاوز 2,5% صعودا وهبوطا تجاه متوسط العملات الأخرى في النظام. ويذكر هنا ان ايطاليا وفنلندا لم تلتزما بهذا الشرط. أما بريطانيا والدانمارك فقد بقيتا في الخارج وتعتبر بريطانيا هي القوة الاقتصادية والسياسية المهمة في أوروبا التي لم تحسم أمرها ففي حين ان ظروفها الاقتصادية أكثر من ملائمة لدخول (اليورو) الا انها تتحفظ سياسيا على الفكرة, والرأي العام فيها لا يحب الفكرة وان كان البعض يقول انها لن تستطيع الانتظار طويلا في الخارج والا ستتأثر سياسيا واقتصاديا وسنحاول ان نلحق بالقطار قبل عام 2002. وهناك ايضا السويد التي لم تستطع ان تحقق الشروط المطلوبة الخاصة بأسعار صرف العملات شروط واعفاء ويشترط اليورو على الاعضاء الا يتجاوز عجز الميزانية نسبة 3% من الناتج المحلي الاجمالي وهناك استثناءان لذلك هما ان المعدل انخفض بشكل كبير واصبح قريبا من الهدف او ان التجاوز طارئ واستثنائي ولا يتجاوز كثيرا الهدف, وهذه ليست مشكلة بين دول ارض اليورو. ولكن شرط معدل الديون الحكومية شيء اخر فهو محدد بـ 60% من الناتج المحلي الاجمالي, ولكن هناك 4 دول فقط في الاتحاد حققت هذا الشرط وهي بريطانيا (خارج اليورو) وفرنسا ولوكمسبورج وفنلندا, ويتوجب على الدول الاعضاء في اليورو ان تتحرك سريعا في اتجاه تحقيق هذا الهدف وهناك عامل قلق ثالث على مسيرة اليورو وهو ان الدول الاعضاء كانت في مراحل متباينة من الدورات الاقتصادية, وهذا العامل كان يمكن ان يكون ابرز ظهورا لو انضمت بريطانيا الى اليورو. ومع تطبيق البنك المركزي الاوروبي سياسة نقدية موحدة في ظل وجود دورات متباينة للاقتصاديات لاعضاء قد يسبب توترا داخل النظام, كما ان صدمة كبيرة في دولة عضو نتيجة محاولات التكيف مع شروط اليورو قد تستنفد موارد المؤسسات الاوروبية. ويحتاج الوصول الى تناسق في الدورات الاقتصادية للدول الاعضاء الى تحسين مرونة اسواق العمل في الدول الـ 11 وتشجيع خلق وظائف جديدة بدون التهديد بارتفاع معدلات التضخم. وقد وضعت الدول الاعضاء آليات معينة لمواجهة هذه الحالات فهناك حزمة اجراءات الاستقرار والنمو والتي تقدم حوافز من اجل منع تصاعد العجز في الميزانيات والاستدانة الحكومية مع مجموعة قواعد تشتمل غرامات من اجل منع الحكومات من الاقتراض بكثافة. خبراء وخطران ويقول الخبراء ان هناك خطرين يواجهان اليورو في سنواته الاولى هو ان السياسة الموحدة قد تقود الى ركود موحد في منطقة اليورو وثانيا ان النظام النقدي الموضوع داخل منطقة اليورو ليس مرنا بقدر كاف بما يسمح باستيعاب اي صدمات مفاجئة. ويشير هؤلاء الى ان الاعتماد الرئيسي في السياسة النقدية هو على البنك المركزي الاوروبي واستقلاليته القائمة, وقد يكون البنك مستقلا عن الحكومات وهذا بعيد ولكنه متطلب في رأيه وهذا شيء خاصة ان الهدف الرئيسي الذي وضع للسياسة النقدية هو ابقاء معدلات التضخم منخفضة, ويرى هؤلاء الخبراء ان مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الاتحادي) في الولايات المتحدة وهو النموذج الذي تسعى الدول الاوروبية الى محاكاته يتوجب عليه بحكم القانون ان يأخذ في اعتباره عند تقرير السياسة النقدية حالة الوظائف في البلاد اضافة الى معدلات التضخم وهذا غير موجود في حالة البنك المركزي الاوروبي, كما ان مجلس الاحتياطي الفيدرالي يستدعى مسؤولوه امام الكونجرس الامريكي لمحاسبتهم وسؤالهم وفي حالات اخرى للتأثير على رأيهم. والحالة مختلفة لدى البنك المركزي الاوروبي اذ ان اتفاقية مساتريخت الاوروبية لا تحدد بوضوح أي جهة لمحاسبة البنك المركزي الاوروبي, وعلى العكس فانها تمنعه من التأثر بنفوذ حكومات او اي اجهزة اخرى, ويمكن ان تكون اجتماعات مجلس ادارته سرية اذا رغب في ذلك وهو ما يعني ان عليه ان يقرر السياسة النقدية كيفما يشاء وبدون ان يحاسبه احد. كما ان الاتفاقية تحدد مهمة البنك في استقرار الاسعار تاركة له حرية تحديد ماذا يعني ذلك, وهذا يختلف عن الدول التي يتمتع فيها البنك المركزي باستقلالية اذ ان الحكومة مثلا تحدد في بريطانيا هدف معدل التضخم للبنك, ولكنها تحتفظ بالحق في تغييره. تضخم وبنك ويشير متشككون الى ان البنك المركزي الاوروبي حدد هدف التضخم بالا يتجاوز معدل 2% سنويا, وهو هدف لا يظهر التاريخ الاقتصادي ان دولا كثيرة استطاعت تحقيقه, والاحتفاظ به لفترة طويلة فالولايات المتحدة كان لديها معدل تضخم 3.3% خلال السنوات العشر الماضية, والمانيا رغم تشدد البوندزبنك فيها كان معدل التضخم 2.8%. ورغم الاعتراف بأن استقلالية البنك المركزي الاوروبي شيء جيد الا انه مع وجود برلمان اوروبي ضعيف فان ذلك يعني ان هناك خللا في عملية المحاسبة وان البنك يستطيع ان يفعل ما يريد في ضوء اهدافه النقدية دون النظر الى اعتبارات اقتصادية اخرى وهو ما قد يضع ارض اليورو في أزمة حقيقية لو سببت هذه السياسات ارتفاعا كبيرا في معدلات البطالة او حدوث ركود. اثنان من المتعاملين في سوق الاوراق المالية في سيدني باستراليا التي كانت اول دولة في العالم تبدأ التجارة بعملة اليورو لندن ــ البيان