بطبيعة الحال, فان الحديث عن التحديات الاقتصادية التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي عام 1999 هي امتداد لتحديات قائمة بالفعل , بعضها نشأ منذ سنوات طويلة, وبعضها الاخرقد نشأ للتو الا انها تتجمع وتتوحد لخلق ضغوط متزايدة تفرض, اول ما تفرض ضرورة وضع المنهج السليم للتعامل معها, والتعرف على الامكانات والموارد المتاحة, وكيفية توفير السياسات والمستلزمات الضرورية لمواجهتها. ان تدهور اسعار النفط الذي تجدد العام ,1998 لا شك يلقي بظلاله الثقيلة على العام الجديد, وقد جاء الاعلان عن ارقام الميزانيات الحكومية الجديدة لتعكس هذا الواقع وافرازاته المختلفة. واذا كانت مسؤوليات واضعي هذه الميزانيات قد انحصرت في رسم خارطة اوجه الايراد والانفاق الحكوميين بحسب اولويات معينة, فان مسؤولية مواجهة التحديات الناجمة عما آل اليه حال هذه الميزانيات تتسع لتضم كافة شرائح المجتمع. ان المسؤولية لن تنحصر هنا في محاولة التغلب على الاثار السلبية الناجمة عن تراجع الايرادات الحكومية ومحاولة البحث عن مصادر لسد العجز, حيث صرح العديد من المسؤولين ان العجز سوف يتم تمويله عن طريق الاقتراض المحلي, وانما تتجاوز ذلك لتطال خطط وتوجهات التنمية ككل. فالظرف الصعب الذي تمر به دول المنطقة يمثل فرصة ملائمة لمراجعة تلك الخطط والتوجهات باتجاه تكريس قيم ومفاهيم جديدة للتنمية تمثل الحل الطويل الامد لمعضلة تقلبات اسعار النفط ومن ثم ايراداته. ان تبني مفهوم (تعظيم انتاجية الفرد) في المجتمعات الخليجية يمثل احد المداخل الممكنة للحديث عن استراتيجية تنموية طويلة الامد. وتبني هذا المفهوم ـ باعتقادنا ـ يجب الا يكون على اساس اقتصادي او تقني بحت, وانما يجب ان يكون تبنيا شاملا لكل ما يتصل بالمفهوم من نواح سياسية واجتماعية واقتصادية, فعند القول ان المطلوب هو تعظيم انتاجية الفرد. وتحويله الى عنصر منتج الى اقصى الحدود الممكنة. فان ذلك يستدعي مناقشة كيفية تحقيق هذا الهدف, ومعالجة نواحي القصور التي تحول دون تحقيقه وذلك من خلال تهيئة المستلزمات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي تسهم في دفع انتاج الفرد الى اقصى الحدود الممكنة. والى جانب ذلك, فان الحديث عن التوجهات المستقبلية لخطط التنمية الاقتصادية لابد ان يتناول النواحي الاقتصادية والمجتمعية الاخرى وخاصة فيما يتعلق بالتكامل الاقتصادي ودور القطاع الخاص, وبرامج الاصلاح الاقتصادي وتنمية الموارد البشرية ووضع الاهداف والسياسات والاجراءات الملائمة لتحقيق هذه الاستراتيجيات. فلابد من تسريع الخطوات لتحقيق التكامل الاقتصادي بين دول المجلس وذلك من خلال الاهتمام بالبعد التكاملي في خطط وبرامج التنمية بدول مجلس التعاون مع التوسع في المشروعات الخليجية المشتركة والسعي لانشاء السوق الخليجية.