لم يبدأ التصنيع على مستوى العالم خارج الغرب ودول الكتلة السوفييتية السابقة بصورة جدية الا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما صاحبها من انتهاء الكولونيالية , ولم يتم تحقيق تقدم يذكر في الخمسينات والستينات, ومنذ السبعينات فحسب بدأت عمليات التصنيع في اكتساب بعض الاهمية في العالم الثالث, غير أن تأثير هذا التطور لم يكن كبيرا بحال, ومنذ ذلك الوقت لم يحدث الا تغيير محدود في هذا الصدد. وذكرت دراسة لمصرف الامارات الصناعي انه في كل الحالات تقريبا اعتمد النمو الاقتصادي على اداء قطاع التصنيع المحلي, مع استثناء وحيد يتمثل في الدول المصدرة للنفط, ومن سوء الطالع ان النمو الصناعي السريع قد راوغ العالم الواقع خارج الدول غير الغربية باستثناء الشرق الاقصى, وبين 1970 و1995 تمكنت الدول النامية المنتمية إلى العالم الثالث من احداث تأثير محدود على نصيبها من القيمة المضافة في غمار عملية التصنيع حيث زادت حصتها من هذه القيمة على مستوى العالم من 15% إلى 22%. وارتفعت حصة التصنيع من اجمالي الناتج المحلي في الدول النامية من اقل من 18% في 1970 إلى ما يزيد قليلا على 24% في ,1995 وفي غضون ذلك غدا اسهام التصنيع في النمو الاجمالي اكثر ارتفاعا حيث وصل إلى 32% مقارنة بــ 21% في السبعينات, وقد احرزت الدول النامية تقدما تدريجيا باتجاه استيعاب الصناعات ذات التقنية المتقدمة وذلك مقارنة بما كانت عليه الحال في البداية من هيمنة الصناعات ذات العمالة الكثيفة, والمعتمدة على الموارد المتاحة, وقد ادى هذا إلى ان تحل محل صناعات البترول والنسيج صناعات مثل الآلات الكهربائية واجهزة الاتصال. وفي اطار العالم النامي خاضت اقاليم مختلفة تجارب متباينة تراوحت ما بين النجاح في دول اقصى شرقي آسيا (والصين) إلى الاداء غير المرضي في افريقيا جنوب الصحراء, وقامت امريكا اللاتينية بتحسين الاداء غير انها لم تستطع الصعود إلى مستوى اداء السبعينات, وقام النمو في شمال افريقيا على اساس تصدير النفط وبصورة اقل على الاتجاه إلى الصناعة بينما شهدت افريقيا جنوب الصحراء حصتها المحدودة وهي تتراجع بمقدار النصف, ولم يحقق جنوب آسيا مستوى ما وعد به. اداء الكاريبي وافريقيا وكان اداء دول الكاريبي ضعيفا للغاية, حيث افصحت هذه المنطقة عن قدر اعظم من التعرض للصدمات الخارجية مقارنة بالمناطق الاخرى, وتعرض النمو للتقويض بفعل الافتقار للتمويل المناسب, وتراجع معدل نمو اجمالي الناتج المحلي بشدة خلال الثمانينات ليصل بالكاد إلى 1.1% على الرغم من انه عاد ليرتفع إلى 3% في التسعينات, وقد بدأت هذه المنطقة المسيرة وهي في المقدمة على مثيلاتها غير انها سبقتها الصين وجنوب شرقي آسيا في بداية التسعينات, ومع استعادة الاستقرار السياسي تحتاج هذه المنطقة إلى دعم الفرص الاستثمارية مستقبلا. وبالنسبة لافريقيا جنوب الصحراء فان المعدل الوسطي للنمو الاقتصادي ظل خلال الفترة من 1970 إلى 1995 بها في حدود 2.4% وبهذا فان المنطقة يقترن بها ادنى مستوى للاداء الاقتصادي. كما ان معدل نمو اجمالي الدخل المحلي بها كان اقل من معدل نمو السكان الامر الذي ادى إلى انخفاض مستويات الدخل الفردي, ولاتزال اقتصادات هذه المنطقة تعتمد على قاعدة ضيقة من الصادرات السلعية وكذلك على الشركاء التجاريين (اوروبا) ولايزال النفط يشكل الجزء الاكبر من صادرات المنطقة, وادى انخفاض اسعار السلع في الثمانينات إلى تقليل قدرة المنطقة على الاستيراد وندرة السلع الرأسمالية والمواد الاولية الامر الذي ادى بدوره إلى انخفاض الانتاج الصناعي وتنمية البنية الاساسية, ويشكل التصنيع اقل من 10% من اجمالي الناتج المحلي وهو ما يشكل انخفاضا عن مستوى 11% الذي كان سائدا في السبعينات. شمال افريقيا وغرب آسيا وبالنسبة لشمالي افريقيا وغربي آسيا فان هاتين المنطقتين حظيتا باعلى معدلات للنمو في خلال هذه الفترة, غير ان هذا النمو ارتبط عن كثب بحركة اسعار النفط, وظل الاستثمار مرتفعا طوال هذه الفترة بكاملها, ولكن جانبا كبيرا منه انصب في توسيع نطاق طاقة انتاج النفط, وعكست المنطقة تقلصا في الاستثمار مع تراجع اسعار النفط, وعموما فان نمو اجمالي الناتج المحلي في غربي آسيا قد وصل الآن إلى مستوى التوقف تقريبا حيث بلغ متوسطه 0.5% سنويا في السنوات الخمس الاولى من التسعينات, وعلى الرغم من وجود واحد من اعلى المعدلات العالمية في نمو الاستهلاك الخاص والحكومي الا ان الاستثمار يظل مرتفعا وبحدود 24% رغم انه انخفض من مستوى الـ 30% الذي كان سائدا في اوائل الثمانينات. مصدرو النفط وقد ازداد التصنيع في الاقتصادات المصدرة للنفط بمعدلات اعلى من معدلات النمو في الزراعة والخدمات وكذلك النمو في اجمالي الناتج المحلي ذاته, غير ان الزيادة الاخيرة من القيمة المضافة في غمار التصنيع (من 8% في 1980 إلى حوالي 15% في 1995) قد جاءت إلى حد كبير على حساب العائدات النفطية المتراجعة, وبالمقارنة مع باقي العالم النامي فان التصنيع قد احرز تقدما محدودا للغاية منذ الازدهار النفطي في اوائل السبعينات, ولايزال تشغيل مصافي النفط يشكل الصناعة الاولى في هذه المنطقة تليها الصناعات الغذائية والمنسوجات. ويؤدي الاعتماد على مورد طبيعي قابل للنفاد الى وضع قدرة هذه المنطقة على الحفاظ على مستوى عال للنمو موضع التساؤل وقد استثمرت المنطقة الى جوار الانتاج النفطي في مشروعات كبيرة للبنية الاساسية وكان الدافع وراء معظم هذا الاستثمار في النفط وغيره هو القطاع العام مع وجود مساهمة محدودة من جانب القطاع الخاص وتدفقات صغيرة للغاية من الاستثمار الاجنبي المباشر. جنوب آسيا وقد شهدت منطقة جنوب آسيا قدراً أكبر من التماسك في النمو بسبب حماية الاسواق من تأثيرات الاقتصاد العالمي والافتقار الى الانفتاح غير ان ثمن هذا تم دفعه في شكل معدلات اقل مما هو ممكن من النمو الاقتصادي والصناعي. وعلى الرغم من هذا فإن الاتجاه الى تحرير الاقتصاد الذي انطلق في الثمانينات افلح في دفع معدل النمو من معدل ثابت هو 3.3% خلال السبعينات الى حوالي 3.5% في الثمانينات, وتهيمن على انشطة التصنيع المنتجات ذات القيمة المضافة المنخفضة مثل المنسوجات والملابس. اما أقصى شرقي آسيا فقد تجاوز في الاداء الاقتصادي العالمي بكامله بهامش واسع في العقود الثلاثة الاخيرة, وهو اداء تأمل دول العالم النامي في تقليده, وعلى الرغم من ان هذه المنطقة ربما لم يقدر لها الضخ بصورة مناسبة بحيث تتجنب الانهيار الذي حدث في ,1989 ومع ذلك فإنها لاتزال في وضع اكثر صحة من حيث التصنيع مقارنة ببقاي دول العالم النامي ويحتمل الى حد كبير ان تتغلب على أزمتها. وبالنسبة للصين فقد بدأ نموها الاقتصادي الملحوظ بصورة حقيقية بعد اصلاحات ,1978 ودعم هذا النمو المرتفع رصد اعلى معدلات الانفاق الاستثماري في العالم والذي ارتفع من 30% في منتصف الثمانينات الى 40% في 1995. وبصفة عامة كان الاستثمار عنصرا بالغ الأهمية في حسم موضوع النمو الاقتصادي والصناعي, وساهم وجود تكوين رأسمالي ثابت بحوالي ربع نمو اجمالي الناتج المحلي في الدول النامية, وكنسبة من هذا الاجمالي فإن الدول النامية انفقت على الاستثمارات ما يتجاوز ما انفقته الدول المتقدمة وزادته الى 26% من اجمالي الناتج المحلي خلال الفترة من 1970 الى 1995 ومع ذلك فإنها لم تحصل على الكثير من النتائج التي يمكن الاعتداد بها. وبينما نحد انه من الصحيح ان الدول التي شهدت معدل نمو عاليا هي تلك التي استثمرت في التحول التقني ورأس المال البشري الا ان الاستثمار العالمي في حد ذاته غير كاف لضمان النمو الاقتصادي.