لو رجعنا بتفكيرنا قليلا الى فترة ما قبل قيام اتحاد الامارات العربية المتحدة, الفترة التي لم يعشها جيل اليوم ولم يراها وتذكرنا ذلك الزمان الذي كان الناس يعانون فيه من قسوة العيش ومرارته . حتى كانت تأتي على الناس ايام صحعبة يتمنون فيها الموت ويفضلونه على الحياة, فكان الفقر والجهل والامراض والاوبئة منتشرة الى درجة كبيرة , فكان البعض يبيع اولاده والبعض يرهنهم والبعض يسرق البشر ليبيعهم من قسوة العيش. وفي خضم هذه الظروف القاسية كانت الشعوب والامم من حولنا تعيش في بحبوحة من العيش ورغد الحياة ورفاهية عالية. فكانت مصر بلدا غنيا وكانت العراق بلدا غنيا وكانت المملكة العربية السعودية بلدا غنيا وبلاد الشام كذلك وغيرها من الامم والشعوب لاتذكر الاجيال التي عاشت تلك الحقبة من الزمان ان تلقت اعانات من اية دولة سوى دولة الكويت ودولة قطر في الستينات والسبعينات حيث بدأ نور الفجر يرسل اشعته وبدأ الظلام الدامس يخفي مهابته. اما اليوم ومع رغد العيش الذي يعيشه شعب الامارات والرفاهية التي ينعم بها اراد هذا الشعب الاصيل ان يعبر عن محبته لاخوته المسلمين في شتى بقاع الارض. فنسي ما لحق به من اذى ومآس وظروف صعبة لم يعنه عليها احد. وبدأ يفكر في اخوانه المسلمين في شتى بقاع الارض فأوجد الطرق والآليات التي ستوصل فضل جوده وكرمه الى باقي اخوانه في شتى بقاع الارض ومن ضمن تلك الطرق قيام الجمعيات الخيرية وانتشارها في كافة انحاء الدولة, وتعتبر ظاهرة قيام الجمعيات الخيرية ظاهرة صحية ايجابية تعبر عن اصالة هذا الشعب وجوده وكرمه ووفائه لاخوته في الاسلام. كما تدل على احساس هذا الشعب بمعاناة اخوتهم كيف لا وقدوتهم في ذلك صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله. وعلى الرغم من كل ذلك نحن نرى ان مثل هذه الجمعيات بحاجة الى تنظيم اداري ومحاسبي وبحاجة الى تدقيق ومراجعة حسابات من قبل جهة حكومية قد تكون وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية بالاضافة الى وزارة المالية والصناعة او ديوان المحاسبة او بالتنسيق بين كافة هذه الجهات وذلك لعدة اسباب نوردها فيما يلي: 1- من خلال تعاملنا البسيط مع هذه الجمعيات نرى ان العاملين فيها من المواطنين متبرعين فقط (اي ليسوا بموظفين) , وهي تفتقر الى ابسط النظم الادارية والمحاسبية. 2- الكوبونات التي تصدرها قابلة للتزوير بسهولة, فاذا كانت النقود قابلة للتزوير فما بالك بكوبونات وقد حدث ذلك بالفعل. 3- لايوجد اعلان اعلامي لنتائج اعمال تلك الجمعيات وحساباتها الختامية. فيما ان تلك الجمعيات جمعيات شعبية واهلية فلابد من وجود اعلان اعلامي لاعمالها حتى يعرف الناس اين تذهب اموالهم التي ينفقونها في سبيل الله. 4- فيما عدا اموال اليتامى واموال المساجد والاموال المخصصة لمشاريع خيرية كالمدارس وملاجىء الايتام والآبار فان باقي الاموال كأموال الزكاة والصدقة وانفاق العفو معظمها لايعلم المنفق ماهو مصيرها, ونحن نقول هنا ان طيبة هذا الشعب واستكانته هي التي تقود الى مثل هذه النتائج على سبيل المثال ترى الانسان المنفق دائما يكرر عبارة نحن احسنا النية بالانفاق وهم على ذمتهم وهذا في الحقيقة خطأ جسيم لانك انت المنفق ايضا مطالب شرعا بأن تبحث عن المحتاج لتنفق اليه والا لما ذكرت آية الزكاة الفئات الثمانية التي تستحق الانفاق وحددتهم فانت تتحمل المسؤولية طالما ان الدولة لم تتحمل تلك المسؤولية. 5- تركز الجمعيات على المساجد وخصوصا جمعية دار البر التي تركز على المساجد في اندونيسيا وكأن شعب الامارات هو الجهة الوحيدة المسؤولة عن بناء المساجد في اندونيسيا في حين توجد هناك مشاريع كثيرة جدا لاتقل اهمية عن بناء المساجد وهي بحاجة الى انفاق. ورب قائل يقول ان فضل بناء المساجد ايعدله فضل نقول له صحيح هذا الكلام عندما كان دور المسجد غير دوره اليوم فعندما اقبل الرسول صلى الله عليه وسلم الى المدينة وبنى المسجد كان المسجد هو كل شيء في حياة الامة. فهو مقر قيادة الاركان وهو البرلمان وهو مقر قيادة الدولة وهو المدرسة وهو مقر العبادة اما اليوم فدور المسجد لا يتعدى كونه مقرا لاداء الصلوات الخمس حتى انه اصبح يقفل بعد كل صلاة ونحن يجب ان نعيش مع ظروف العصر ونعيش مع المستجدات والمتغيرات, لا ان نشط في تفكيرنا وخيالنا. 6- بعض الاموال التي خصصت الى الوقف الخيري عن طريق جمعية دار البر وهي الف درهم الحد الادنى لكل مساهمة وكانت مخصصة لبناء بناية يخصص ريعها وقفا لااحد حتى الآن يعلم مصيرها, وعندما سألنا الجمعية عن مصير تلك الاموال كانت الاجابة ان الاموال التي حصلوا عليها كانت دون الحد الادنى المطلوب لتأسيس تلك البناية فتم ايداع المبلغ في بنك دبي الاسلامي حتى يكتمل ويخصص ريعه في الوقت الحاضر لاموال الوقف والانفاق الخيري, اما المنفقون فقلما يسألون عن مصير تلك الاموال, ربما حياء منهم وهذا بالطبع خطأ كبير, فالمنفق لابد وان يسأل عن انفاقه هل وصل الى الجهات المخصص لها ام لا. 7- تفاوت تكلفة المشاريع وتنافس الجمعيات في ذلك وان كانت المشاريع في ذات البلد الواحد. فعلى سبيل المثال ترى الجمعية تعلن (س) ان تكلفة كسوة العيد 10 دراهم واخرى 15 درهما واخرى 20 درهما حتى تصل عند بعض الجمعيات الى 40 درهما. وكذلك في افطار الصائم وزكاة الفطر والاضاحي وغيرها. ويحتار المنفق في معرفة ايهما افضل ويفضل البعض السعر المرتفع ظنا منه ان هؤلاء يشترون سلعا افضل ككسوة او افطار صائم ,اما البعض الآخر فيميلون الى الرخص. 8- توجد مناطق كثيرة داخل الدولة بحاجة الى مشاريع خيرية مثل المساجد والمدارس وحتى الطرق وغير ذلك فلابد من اعطاء نصيبها من ذلك. وفي الختام نقول ان مثل هذه الجمعيات تحتاج بالفعل الى تدخل مباشر من قبل الدولة لوضع الانظمة الادارية والمحاسبية اللازمة لها ولتقوية ثقة الناس بها وحتى تصل الاموال الى مستحقيها, ويكفينا درسا ماحدث في بنك دبي الاسلامي, فالاسلام يدعو الى توثيق العقود وتنظيمها اداريا (راجع آية الدين في سورة البقرة) خشية حدوث الفساد الاداري .