بينما كان معارضو فكرة العملة الموحدة متأكدين في الماضي ان (اليورو) لن يولد على الاطلاق, فانه يبدو حاليا في وضع قوي, وان كان المعارضون يتوقعون له الانهيار . ويعتمد اليورو على بنك مركزي أوروبي قوي في فرانكفورت وضع كل القواعد الضرورية لضمان سلامة العملة وقوتها وهو يعتمد بدوره على القوة التقليدية التاريخية للبنك المركزي الألماني (البوند بنك). ويقول المدافعون والمتحمسون لليورو انه حتى الدول المتحفظة مثل بريطانيا والدنمارك والسويد واليونان قد تنضم إلى اليورو وحوالي 11 دولة الأخرى قبل أن يبدأ توزيع أوراق نقد اليورو في شوارع أوروبا في عام 2002. وحتى الأسواق المالية الدولية يبدو انها تثق في اليورو فيما أثرت الأزمات التي تفاعلت في النصف الثاني من العام في آسيا وروسيا وأمريكا اللاتينية على الدولار والين الياباني فإن العملات الأوروبية لم تتأثر كثيرا. ولكن هذه الصورة الدورية لا تعني انه لا توجد تحديات, فالتحديات التي سيخلقها اليورو هائلة وأكثرها على الصعيد السياسي والاجتماعي وليس الاقتصادي. وفي وقت سابق من العام أبدى مسؤولون أمريكيون تحفظات قائلين ان أوروبا متعجلة في الوحدة النقدية بدون أن يكون لديها المؤسسات والهياكل اللازمة لهذه الوحدة. وهذا الحديث استمرار لنمط التفكير الذي عكسه هنري كسينجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق عندما قيل له ان أوروبا كيان سياسي فقال اذا أردت أن اتصل بأوروبا فمع من أتحدث؟ ورغم العملة الموحدة فإن الظروف الضرورية الطارئة لكل دولة قد تكون ضاغطة بشكل هائل وتحدث أزمة قد تدفع احدى الدول إلى الخروج من العملة الموحدة. ويمكن أن تكون هذه الظروف سياسية أو اجتماعية مثل اضرابات أو اضطرابات سياسية. ولذلك فإن الدول الأعضاء وضعت آليات بهدف تحييد هذه العوامل المحلية بأقصى ما تستطيع ويشمل ذلك قروض طوارئ وتحويلات صغيرة. ويقول الاقتصاديون والسياسيون انه مع مرور الوقت فإن حجم هذه التحويلات سيكبر وتصبح مماثلة لما يحدث حاليا بين الولايات في الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن في حالات اضطرابات كبيرة فإن الحاجة ستكون كبيرة إلى ميزانية اتحادية كبيرة وهذا هو الأمر الذي لا تريد أوروبا أن تفكر فيه حاليا لأنه يتمتع بشعبية بين الرأي العام الذي مازال يريد الاحتفاظ بهويته الوطنية. وأحد مشاكل اليورو انه لا توجد له ميزانية اتحادية في كل حجم الاقتصاد الكلي. وقد تكون ألمانيا ودول اوروبية صغيرة تريد ان ترى هياكل اتحادية أكثر مثل فرنسا, وكذلك بريطانيا لا تريد نقل سلطات اخرى الى المفوضية الاوروبية في بروكسل. ويراهن البعض في أوروبا على ان (اليورو) له سره الخاص, وهو انه سيجعل قوة للدفع نحو أوروبا موحدة, ويقولون انه في النهاية فلا مناص من نشوء ولايات متحدة أوروبية. اصلاحات بسوق العمل وأحد الاشياء الرئيسية التي سيحدثها اليورو هي انه سيدفع الدول إلى تبني اصلاحات في سوق العمل لديها لتكون أكثر تنافسية, ولكن لا أحد يتوقع ان تكون مثل الولايات المتحدة التي تتمتع بقواعد منافسة مفتوحة, إذ ستظل أوروبا معنية بالضمانات الاجتماعية, لأن الفردية التامة والاعتماد فقط على قوى السوق بشكل مطلق ليست من الافكار الشعبية في أوروبا. ولذلك فإن أوروبا تفكر الآن فيما يسمى بالطريق الثالث الذي يقف في النصف بين الرأسمالية الصرفة والاشتراكية الأوروبية السابقة. ويعتقد الاوروبيون ان نموذج الرأسمالية الاوروبية سيكون أكثر جاذبية لبقية أجزاء العالم في الرأسمالية الامريكية. من جهة أخرى, فإن الاوروبيين يراهنون ايضا على ان نفوذهم الاقتصادي سيتزايد في العالم مع اليورو الذي سيصبح عملة تجارة دولية من الدرجة الأولى مدعوما بالاسواق المالية الضخمة في لندن وفرانكفورت, وقد يحل يوما محل الدولار. ويتوقع ان يكون ذلك تدريجيا وعلى فترة كبيرة واعتمادا على الحجم الضخم للاقتصاد الاوروبي الذي سيكون أكبر منطقة اقتصادية في العالم خاصة عندما يتم توسيع الاتحاد الاوروبي لتنضم اليه دول وسط وشرق اوروبا التي تطرق أبوابه حاليا. ولأن التوقعات بأن اليورو سيستطيع تجنب الهزات التي تحدث في أسواق المال الدولية, فإن من المتوقع ايضا ان يكون عملة أمان يلجأ اليها المستثمرون الدوليون في أوقات الاضطرابات. عمليات اندماج وعلى المدى الزمني القصير, فإن قدوم اليورو دفع الشركات الأوروبية التي تفكر في استراتيجيات بقاء في بيئة أكثر تنافسية الى عمليات اندماج فيما بينها يتوقع ان تصل الى ذروتها في العام 1999. ولكن هذا الاتجاه سيضع تحديات كثيرة أمام السياسيين الاوروبيين والسبب في ذلك ان عمليات الاندماج والتملك من أجل خلق شركات أوروبية عملاقة في جميع المجالات من شأنها ان تؤدي الى التخلص من عشرات الآلاف من الوظائف, وهو ثمن مرتفع في منطقة تعاني بالفعل من معدل بطالة يبلغ 10% مع ما يعنيه ذلك من ردود فعل اجتماعية وبين الشعوب. وأحد الأمثلة على ذلك ما حدث في ألمانيا في ديسمبر عندما أعلن مصرف دويتش بنك انه سيتخلص من 5500 وظيفة وذلك بعد ان تملك بانكرز ترست كوربوريشن, وهو ما أثار احتجاجات من النقابات وأدى الى ضغوط سياسية مع الحكومة. كما ان عملية الاندماجات ستؤدي ايضا الى تصادم مع مسألة السيادة الوطنية لكل دولة لأنها ستخفض حجم سيطرة الدولة على صناعات حيوية. وتتركز هذه المخاوف في الصناعاتالدفاعية والفضائية. وقد ظهرت هذه الاحتكاكات اخيرا عندما وضعت شركة ايروسبسيال الفرنسية عراقيل امام تمويل شركة ايرباص لصناعة الطائرات الى شركة واحدة, وذلك خوفا من تقلص الحصة الفرنسية في صناعة الطائرات. كما ان شركة دايملربنز ـ كرايزلر لصناعات الفضاء الالمانية حذرت شريكتها البريطانية بريتش ايروسبيس في المضي في خططها للاندماج مع شركة بريتش جنرال الكتريك وذلك خوفا من تقلص الحصة الالمانية, كما ان دويتش بنك الالماني شكا علانية من ان محاولته شراء بنك فرنسي اصطدمت برفض حكومي فرنسي. ولكن الخبراء يقولون انه رغم كل ذلك فان عملية الاندماج والتملك لخلق شركات اكبر حتمية ولن يستطيع شيء ايقافها. وقد سجلت عمليات اندماج قيمتها 549 مليار دولار داخل اوروبا في العام الماضي ولكن الخبراء يقولون ان العملية مازالت في مراحلها الاولى وان العام الحالي سيعتمد اندماجات اكبر واضخم لان عمليات الاندماج التي حدثت حتى الآن كانت في معظمها على المستوى الوطني والمرحلة المقبلة هي الاندماجات عبر الحدود. وسيزيد اليورو من الضغوط على الشركات الاوروبية للسير في هذا الطريق لانه سيطلق قوى المنافسة في اسواق الدول الـ 11 الاعضاء وسيجعل الشركات تفكر في المستقبل كشركات اوروبية وليست فرنسية او المانية او بريطانية. والتوقعات ان تتركز عمليات الاندماج في المرحلة المقبلة على قطاعات الادوية والبنوك والخدمات المالية والاتصالات والطاقة. لندن ــ البيان