بعدما اصبحت العملة الاوروبية الموحدة (اليورو) حقيقة في عالم المعاملات المالية الدولية, مجسدة بذلك حلما طالما راود اوروبا في خلق منظومة قوية ومندمجة وقادرة على المنافسة, اضحى السؤال الذي يفرض نفسه هو : كيف ستتفاعل المغرب مع المعطى الجديد بشكل يؤهلها الى ان تواكب المستجدات المالية على الساحة الاوروبية والاستفادة بالتالي من الدينامية التي ستترتب عن الواقع المالي والتجاري المقبل. ذلك ان المغرب هو اول دولة في المنطقة المتوسطية وقعت اتفاقات للتعاون مع الاتحاد الاوروبي تعود الى عام 1969, ما جعلها تملك اقدم نسيج للعلاقات معه حين كان عدد اعضائه ست دول ويطلق عليه المجموعة الاوروبية, كما ان المغرب يعد أقرب الدول المتوسطية الى القارة الاوروبية جغرافيا بما في ذلك تركيا وقبرص, اذ يقع على بعد 14 كلم فقط منها. على هذا المستوى يبدو ان السياق الجديد سيفرض رهانات خاصة على الصعيد الهيكلي بالنسبة للمقاولة المغربية. ويؤكد الفاعلون الاقتصاديون والماليون في هذا السياق ضرورة النجاح في تقليص التكاليف الانتاجية وتشجيع التطور التقني والتجديد الى جانب الاهتمام بالقضايا التقنية المتعلقة بوضع الحسابات ومراجعتها والملاءمة المعلوماتية. ويعتبر ارباب المقاولات ان الانتقال الى عملة اليورو سيبسط عملياتهم مع الخارج إذ أن الفاعلين الذين يقومون بعمليات استيراد وتصدير بعملات مختلفة سيكونون امام عملة واحدة, الشيء الذي سيسهل عملياتهم خاصة على مستوى الحسابات. وحسب هؤلاء, فان اليورو ستجنب المقاولات المغربية مضاعفات تذبذب الاسعار في السوق الدولية ويجعلها اكثر تحكما في التكلفة, فضلا عن ان الواردات المغربية البالغة نحو 4.5 مليارات دولار يمكنها ان تتم باليورو ما يعزز ضبط عجز الميزان التجاري مع الاتحاد الاوروبي الذي يقدر باكثر من مليار دولار, كما ان الوصول الى التمويلات الخارجية سيكون اكثر سهولة بالنسبة للمقاولات المرتبطة بمنطقة اليورو. ويرى الخبراء ان العملة الاوروبية الموحدة يمكن ان تضطلع بدور مهم لفائدة الصادرات المغربية التي ستمد انشطتها نحو بلدان اخرى من منطقة اليورو معتبرين ان الجهات المصدرة التي ستبذل جهودا ملموسة على مستوى التكيف التكنولوجي والتجاري مع تحسين جودة المنتج ستجني ثمار هذا التحول المالي لاسيما وان المراقبين يراهنون على ان اليورو سيعزز مكانة الاتحاد الاوروبي كقطب اقتصادي عالمي رائد. ووفقا للخبراء فان العملة الاوروبية الموحدة ستكون قادرة بعد ان تفرض نفسها كعملة دولية للمبادلات وكعملة احتياطية على المساهمة في تغيير جزء من الفضاء النقدي والتجاري الدولي خاصة بالنسبة لبلدان العالم الثالث المرتبطة بهذه المنطقة ومنها المغرب الذي يسعى الى الحفاظ على توازناته الاقتصادية. غير ان المهنيين يعتبرون ان هناك مواطن ضعف وهيكلية لاتزال تسم الصادرات المغربية من قبيل ضعف تنوع المنتوجات المصدرة والبلدان المصدر اليها وضعف الانتاجية وهشاشة البنية التنافسية. وبخصوص القدرة على المنافسة يؤكد مسؤولو الجمعية المغربية للمصدرين ضرورة أن تكون وتيرة النمو الفعلي للصادرات في حدود تسعة في المئة قصد بلوغ نسبة نمو اقتصادية فعلية قوية ومستقرة لا تقل عن سبعة في المائة سنويا الشيء الذي يستلزم استراتيجية متكاملة متعددة المستويات والابعاد تقوم على تدابير كفيلة بالحد من العراقيل الهيكلية المعيقة لتعزيز القدرة على التنافسية الخاصة بالصادرات المغربية. وفيما يبدو ان الانتقال الى نظام اليورو يحتم على الفاعلين الاقتصاديين المغاربة اعادة بحث العقود التجارية والمالية السارية المفعول حاليا والتي تمتد الى مابعد اول يناير 1999, فان فروع الشركات الاوروبية التي ستغير ابتداء من هذا الشهر معاملاتها الى العملة الاوروبية الموحدة يتعين عليها, حسب الخبراء, ملاءمة نظامها المعلوماتي مع حاجيات الشركات الام. ويذكر ان البنوك التجارية في المغرب, وفي خضم التحضير لهذا الانتقال, اتخذت جملة من الاجراءات الملائمة للواقع الاقتصادي والمالي الجديد داخل الاتحاد الاوروبي الذي يظل احد شركاء المغرب الاقتصاديين والتجاريين المميزين. وكان الاتحاد الاوروبي قد اعتبر ان المغرب ودولا اخرى في حوض المتوسط يمكنها الاستفادة من التعامل بالعملة الموحدة, وقالت دراسة اوروبية عن المغرب ان التعامل باليورو سيشكل مستقبلا اكثر من نصف المبادلات التجارية للرباط التي ترتبط باتفاق للشراكة (اقتصادية وسياسية) مع الاتحاد يدخل حيز التنفيذ عام 2000 بعد مصادقة بقية البرلمانات الاوروبية على الاتفاق. واضافت الدراسة (ان اعتماد اليورو في جزء من الاقتصاد المغربي سيساهم في ادماج النظام المالي المحلي في اسواق المال الاوروبية ويزيد من حركة تدفق الرساميل والاستثمارات باتجاه المغرب. اضافة الى استفادة الشركات المحلية من استقرار معدلات الصرف والتضخم وسعر الفائدة المتوقع خفضه في اوروبا. وفيما ينصح الاتحاد الاوروبي المغرب بتعديل سلة صرف العملات في مقابل الدرهم وزيادة حصة اليورو في احتياطي المغرب (البنك المركزي) يعتقد ان نسبة الاحتياطي بالدولار قد تتراجع في المغرب من 40 الى 30 في المئة على ان تحول العملات الى اليورو وعملات اوروبية اخرى بنسبة 60 الى 70 في المئة, ولكن ذلك مرتبط الى حد بعيد بسياسة الصرف التي ستعتمدها الحكومة المغربية (الاشتراكية) هذا العام. الرباط ــ رضا الاعرجي