يوصف العام 1999 بانه عام أوروبا التي شهدت في اول يناير إطلاق العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) التي تطبقها 11 دولة من دول الاتحاد الاوروبي الــ 15 لتشكل بذلك ما اطلق عليه الاقتصاديون منطقة أو أرض (اليورو) . ويعتبر اقتصاديون وسياسيون ان ترشيد العملة الأوروبية الموحدة يعد أهم الاحداث الاقتصادية على الإطلاق في القرن العشرين, فأوروبا التي شهدت حربين عالميتين راح ضحيتها عشرات الملايين خلال هذا القرن اكتشفت في النهاية ان الوسيلة الوحيدة للسلام هي الوحدة والاندماج الاقتصاديين, ولعل هذا هو ما دفع المستشار الالماني السابق هيلموت كول مهندس الوحدة الالمانية المتحمس للوحدة الاقتصادية الأوروبية إلى أن يقول قبل حوالي عام عندما كان الجدل حاميا حول تأجيل المشروع, ان البديل عن الوحدة النقدية الأوروبية هو حروب مستقبلية داخل أوروبا. وهذه الخطوة التي خطتها أوروبا في اول العام هي اهم ما شهدته منذ توقيع اتفاقية روما في عام 1957 التي كانت النواة الاولى للسوق الأوروبية المشتركة. ولن يكون التغيير محسوسا في حياة الناس العاديين لان العملات المحلية في الدول الــ 11 التي اختيرت في مايو الماضي لتكون الدفعة الاولى في قطار (اليورو) ستنطلق في التداول لمدة ثلاثة اعوام تقريبا قبل ان تختفي تماما ليكون (اليورو) هو عملة التداول في الحياة اليومية. ولكن التغيير سيكون محسوسا بالنسبة للشركات وقطاعات الاعمال والمصارف لأن كل شيء سيكون مقوما (باليورو) وهذا يعني عدة اسباب اهمها ان تكلفة تحويل العملات في العمليات التجارية ستنخفض, وهي تكلفة ضخمة إذا أخذ في الاعتبار ان النسبة الاكبر من تجارة أوروبا تتم داخلها. اما أكثر الاشياء أهمية فهي ان الدول ستتنازل عن جزء من سيادتها وهي مسألة تقرير سياستها النقدية واسعار الفائدة فيها لصالح البنك المركزي الاوروبي الذي سيقرر هذه السياسة بينما يصبح دور البنوك المركزية المحلية قانونيا. مواجهة العواصف وسيراقب العالم كله مسيرة (اليورو) التي لا يخفي السياسيون والاقتصاديون الأوروبيون انها لن تكون سهلة وستكون تحدياتها كثيرة وذلك من اجل معرفة ما إذا كان (اليورو) سيستطيع ان يصمد امام العواصف التي ستهب عليه في اسواق المال الدولية باعتباره عملة مرشحة ان تكون عملة دولية جديدة تنافس الدولار. ولا يريد الأوروبيون بداية صاخبة (لليورو) فهم يريدونه ان يمر بهدوء حتى يصلب عوده مع الايام, ولكن التوقعات ان المضاربين في اسواق المال الدولية لن يتركوه ينعم بهذا الهدوء وسيحاولون اختباره. فخروج (اليورو) الى النور يعني ان العالم انقسم اقتصاديا بين ثلاث كتل رئيسية وهي كتلة الدولار الذي يهيمن على التجارة الدولية والين الياباني باعتبار اليابان ثاني اكبر اقتصاد عالمي ومهيمن على اقتصاديات آسيا ثم (اليورو) الذي يعتمد على اقتصاديات 11 دولة من اكبر اقتصاديات العالم بينها ثلاث دول بين الدول الصناعية السبع الكبرى وهي المانيا (ثالث أكبر اقتصاد صناعي), فرنسا, وإيطاليا. وعندما اختار زعماء الاتحاد الاوروبي في مايو الماضي الدول الــ 11 التي ستكون ضمن الدفعة الاولى في قطار (اليورو) كان المناخ حماسيا لان الاقتصاديات كانت تنمو بسرعة, والتضخم ينخفض بينما تهبط معدلات البطالة بما يعني ان توقيت خروج (اليورو) هو الوقت المثالي. ولم يأت هذا من فراغ فالدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي اضطرت الى ركوب قطار صعب منذ توقيع اتفاقية ماستريخت للوحدة الاقتصادية الأوروبية في عام 1992 من اجل تكييف وتعديل اقتصادياتها لتتناسب مع شروط ماستريخت وخاصة خفض عجز الميزانيات الى حدود 3% من الناتج المحلي الاجمالي. وشمل ذلك اجراءات تقشفية وانكماشية ادت الى ركود وارتفاع معدلات البطالة مما سبب توترات اجتماعية وضغوط على الحكومات وارتفاع مد اليمين المحافظ في عدد من الدول الأوروبية. ولكن بحلول عام 1998 كانت هذه السياسات بدأت تطرح ثمارها لتكون الصورة وردية في مايو الماضي. ولكن الرياح جاءت بغير ما تشتهي السفن في النصف الثاني من العام, ففي مايو تصور الزعماء الأوروبيون ان أوروبا بعيدة عن الأزمة المالية التي عصفت بآسيا ثم امتدت الى بقية الاسواق الناشئة في العالم وما زالت تتفاعل حتى الان في روسيا وأمريكا اللاتينية مهددة الاقتصاديات الصناعية. ولذلك فإن (اليورو) ولد وسط أعاصير, فالاقتصاد العالمي مهدد بأسوأ ركود له منذ الحرب العالمية الثانية, والأسواق المالية أصبحت تأخذ حذرها حتى من أقل الأخطار, ولن ينجو من تأثيرات هذا الركود لو حدث للعملة الأوروبية الموحدة. علامات مقلقة ورغم ان هناك علامات مقلقة على ان الانتعاش الذي بدأ في ألمانيا وفرنسا في عام 1997 قد يتلاشى بما يضع (اليورو) في سنته الاولى امام أزمة حقيقية فإن لا أحد يتوقع ان ينهار مشروع (اليورو) تحت ضغط العاصفة المتوقعة ليس لأنه قد تم استثمار الكثير سياسيا واقتصاديا في المشروع ولكن لأن الفشل سيؤدي الى أزمة كبرى يصعب التفكير في حجم نتائجها التي ستكون في حدها الأدنى انهيار الاتحاد الأوروبي نفسه وتبعثره والتوقعات بأن تكون السنة الأولى أو حتى الاعوام الاولى (لليورو) صعبة لا تقتصر فقط على التحديات الخارجية المقبلة من اسواق المال بل من التحديات داخل أوروبا نفسها فهناك ثلاث دول رئيسية هي ألمانيا وفرنسا وإيطاليا اذا لم تقم باصلاحات جذرية في أسواق العمل لديها ستشعر بأن تأثير (اليورو) على اقتصادياتها أكثر إيلاما مما توقعت. وهذا سيحدث لأن (اليورو) سيطلق قوى المنافسة في السوق بما قد يؤدي الى زيادة أعداد البطالة في وقت صعدت فيه حكومات كثيرة ذات اتجاه يساري في الدول الأوروبية. وهذه تجربة جديدة تماما تشابه الى حد ما في المظهر وحدة الولايات المتحدة الامريكية ولكنها في الجوهر تختلف تماما لأن أمريكا خاضت حربا أهلية, وكانت مجتمعا جديدا تماما ليس فيه تاريخ طويل من العداءات والحروب والثقافات واللغات المختلفة. فأوروبا تتوحد اقتصاديا بإرادتها وبحكومات وسياسات مختلفة, والدول تدرك انها تتخلى عن جزء من سيادتها لكيان جديد غير معلوم, ولذلك فلا أحد حقيقة يعرف على وجه دقيق التحديات والمشاكل التي ستواجه (اليورو) , في سنواته الاولى. اختبار وفي حين ان ثقة الناس بــ (اليورو) والبنك المركزي الاوروبي سيجري اختبارها الى الحد الاقصى في عام 1999 فإن الناس ستنتظر لمعرفة الكيفية التي سيغير بها (اليورو) طريقة الاعمال في أوروبا على أصعدة التسويق والحسابات والمشتروات والتسعير وفي أسواق الأسهم والسندات. والمفترض ان يكون التأثير الرئيسي لــ (اليورو) والذي سيكتمل مشروعه عندما يطرح للتداول بين الناس في عام 2002 ويلغي العملات المحلية هو زيادة التنافسية وتقليص الفوارق بين الاسعار في أوروبا وخفض التكلفة. وخلال السنوات الثلاث حتى عام 2002 وهي المرحلة الانتقالية لن يستطيع الناس وضع أوراق (اليورو) في جيوبهم, ولكن اسعار العملات المحلية في الدول الــ 11 ستكون مثبتة بقوة تجاه اليورو دون تغيير, ولكن الشركات الكبرى من المتوقع ان تبدأ فورا في اجراء عملياتها باليورو. وستكون هناك بطاقات ائتمان مصرفية باليورو وشيكات باليورو. والاعمال الصغيرة مثل المحلات والمقاهي سيكون بها خيارات اما قبول أو رفض بطاقات أو شيكات (اليورو) . والمقصود بهذه المرحلة الانتقالية هو اعداد الناس تدريجيا الى ان (اليورو) سيصبح واقعا في حياتهم اليومية. وبينما سيكون البنك المركزي الاوروبي في فرانكفورت مسؤولا عن عرض النقد والسياسات النقدية فإن حكومات منطقة اليورو ستكون مدفوعة اكثر نحو تنسيق سياستها الاقتصادية بشكل اكبر. أجندة مزدحمة وأجندة الحكومات الأوروبية مزدحمة للغاية في عام 1999 فإضافة الى تحديات (اليورو) فإنه يفترض ان تتمكن هذه الحكومات بحلول منتصف العام من حل الخلافات بينها حول السياسات الزراعية ودعم المزارعين وكذلك اجراء الاصلاحات الضرورية في ميزانية الاتحاد بما يمهد لتوسيعه بعد ذلك ليضم دولا من الكتلة الشرقية السابقة. وإصلاحات الميزانية من شأنها ان تفتح معركة جديدة بين الألمان ومعهم الهولنديين في جانب وفرنسا واسبانيا من جانب آخر لأن ألمانيا تشكو من انها تقدم 60% من صافي ميزانية الاتحاد وحدها, ولا يتوقع احد تغييرا في ذلك. ومن جهة اخرى فإن العام سيشهد المزيد من المفاوضات حول توسيع الاتحاد لضم اعضاء جدد الى الاتحاد مثل جمهورية التشيك وبولندا والمجر ولكن لا أحد يتوقع ان تتخذ خطوة مثل هذه قبل عام 2005 بسبب التكلفة المالية الكبيرة التي سيتحملها الاتحاد الأوروبي نتيجة لذلك. ومسألة التوسيع حساسة للغاية في ألمانيا والنمسا فالاثنان يريدان جيرانا شرقيين مزدهرين ولكنهما ايضا يخشيان غزوا الى اسواقهما من العمالة الرخيصة. لندن ــ البيان