من الملاحظ أن المصارف المحلية تحقق نموا متواصلا في الأرباح حتى وان كان النمو الاقتصادي بطيئا في بعض السنوات. وهذه ظاهرة جديرة بالبحث والتأمل وذلك انطلاقا من كون ان نمو أرباح المصارف التجارية يفترض ان ترتبط بعدة عوامل منها ما هو محلي ومنها ما هو اقليمي ومنها ما هو دولي وان تعكس في ذات الوقت مستوى الأداء الاقتصادي الكلي وذلك لكون ان الوظائف الرئيسية لهذه المصارف تتمثل في توفير التسهيلات الائتمانية والسيولة للقطاعات الاقتصادية الأخرى. فما هي العوامل إذن التي تكمن وراء ظاهرة النمو المستمر لأرباح المصارف التجارية؟ إن تلك العوامل من الممكن تلخيصها في العوامل الآتية: 1 ــ هناك عامل ايجابي هام يتمثل في التطور المستمر لأداء المصارف التجارية ذاتها من كافة النواحي (من الناحية الإدارية والتنظيمية ومن الناحية التكنولوجية ومن ناحية توطين الوظائف في بعض المصارف وتوطين القيادات الإدارية ذات الكفاءة). وهذه في الحقيقة ظاهرة ايجابية وصحية تعكس درجة كفاءة وأداء هذه المصارف ومدى تواصلها مع التكنولوجيا المصرفية عالميا. وان كان الكثير من رجال الأعمال المحليين ما زالوا يفضلون التعامل من المصارف الأجنبية المحلية انطلاقا من ايمانهم بتفوق مستوى الخدمات الذي تقدمه المصارف الأجنبية المحلية المنافسة على المصارف الوطنية والعربية. 2 ــ هناك عامل ايجابي آخر وهو تطور ونمو مستوى أداء المصرف المركزي ودوره في تنظيم وإدارة النظام النقدي والمصرفي ومراقبته والاشراف عليه. فلقد لعب المصرف المركزي دورا بارزا في حسن إدارة وتوجيه النظام المصرفي بحكمة ورشد وخصوصا عندما تحدث أزمات مصرفية. ومن الأمثلة على ذلك طريقة معالجته لما حدث لبنك الاعتماد والتجارة الدولي والأزمات التي تعرض لها بنك دبي الإسلامي والأزمة التي تعرض لها بنك الشرق الأوسط وغيرها من البنوك. 3 ــ من العوامل الايجابية كذلك الدور الذي يقوم به معهد الامارات للدراسات المالية والمصرفية في الربط بين جانبي العرض والطلب على القوة البشرية المؤهلة للعمل في القطاع المصرفي والتنسيق بين البنوك من جهة والمصرف المركزي من جهة أخرى والكليات والجامعات والمعاهد العلمية من جهة ثالثة من أجل العمل على حسن سير سياسة التوطين التي تتبناها الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية في هذا القطاع الحيوي. 4 ــ من أهم العوامل التي لعبت دورا بارزا في نمو أرباح البنوك التجارية كذلك ظاهرة المصارف الإسلامية والصحوة الإسلامية في مجال الاقتصاد والأعمال. حيث انه باجماع علماء الأمة على حرمة الفوائد المصرفية أصبح الناس يفضلون الحسابات الجارية على حسابات الودائع والحسابات الادخارية (التوفير). وهذه الظاهرة انتشرت في الحقيقة على نطاق واسع في كافة الدول الإسلامية. وهي تعطي للبنوك فرصة ثمينة في الحصول على أموال ضخمة بدون تكلفة. حيث تتراوح الحسابات الجارية في البنوك التجارية ما بين 40% إلى 60% من حجم الودائع الكلية وتزداد النسبة بالطبع في الدول الإسلامية حيث وصلت في بعض السنوات إلى 75% مما يتيح للبنوك فرصة ذهبية للحصول على ودائع دون أن تدفع للعملاء فوائد (فوائد مدينة). أي بمعنى آخر انها لا تكلف البنوك شيئا. ومما يزيد من تفاقم هذه الظاهرة قلة عدد المصارف الإسلامية. وبانخفاض التكلفة بالطبع تزداد الأرباح الصافية والتي هي في الأساس الفارق بين الفوائد الدائنة والفوائد المدينة. 5 ــ من العوامل التي تعمل على زيادة أرباح البنوك التجارية كذلك ارتفاع مستوى الرسوم التي تتقاضاها البنوك على العملاء في الدولة عن مثيلاتها عالميا. ومن ذلك على سبيل المثال رسوم التحويلات, والرسوم المفروضة على كشوفات الحسابات, والرسوم المفروضة على السحب الآلي, والرسوم المفروضة على الرصيد الذي يقل عن حد معين. ونحن هنا نطالب المصرف المركزي بالتدخل المباشر لتقنين تلك الرسوم. حيث ان بعض الرسوم (مثل الرسم المفروض على المبالغ التي تقل عن حد معين) لا نجد مثيلا لها في المصارف العالمية وفي الدول الصناعية المتقدمة. 6 ــ كذلك ظاهرة تنامي القروض الشخصية والفوائد العالية التي تفرضها البنوك عليها والتي تفوق ما تفرضه البنوك الأخرى في دول العالم المتقدمة على القروض الشخصية وتلاعب بعض البنوك في عملية احتساب الفوائد على مثل تلك القروض. ونحن نطالب المصرف المركزي بالتدخل المباشر لفرض رقابة صارمة على طريقة احتساب الفوائد المصرفية على القروض الشخصية والحد من المبالغة في احتساب فوائد مرتفعة على تلك القروض. 7 ــ من العوامل أيضا التي تعمل على زيادة أرباح البنوك هجرة رؤوس الأموال إلى خارج الدولة للبحث عن طرق لايداعها في مصارف أجنبية مقابل فوائد عالية. حيث تصل نسبة الأموال الخارجة من بنوكنا الوطنية إلى خارج الدولة في بعض البنوك إلى 65% من اجمالي حجم الودائع وذلك لسببين: الأول هو ضيق فرص الاستثمار الآمنة لتلك الأموال والثاني ارتفاع معدلات الفوائد المصرفية في الخارج. 8 ــ حملات الترويج التي تقوم بها بعض البنوك مثل مليونير المشرق على سبيل المثال, والحملات الدعائية المغرية التي تقوم بها البنوك. 9 ــ سياسة الانفتاح الاقتصادي التي تنتهجها الدولة. 10 ــ رواج قطاعي التجارة والسياحة على وجه التحديد.