تصطدم قضايا الاصلاح الاقتصادي في الوطن العربي بالعديد من المعوقات ذات الخلفية السياسية والاجتماعية والاقتصادية منها ماهو متجذر في التاريخ, ومنها ماهو وليد التطورات العالمية الراهنة . ان مفهوم الاصلاح الاقتصادي الذي برز بصورة واضحة منذ مطلع الثمانينات اثر تفاقم ازمة الديون العالمية وتم الترويج له من قبل صندوق النقد الدولي باسم برامج التكييف او التعديل الهيكلي لاقتصاديات الدول المدينة, نقول ان هذا المفهوم لا يزال ينظر اليه بحذر وريبة كبيرين, خصوصا ان مضامينه تطال قضايا اجتماعية واقتصادية ذات صلة باحوال عامة الناس وبالذات الفئات الفقيرة والمتوسطة. واسباب هذا الحذر والريبة كون جهود الاصلاح الاقتصادي التي تقودها صناديق ومؤسسات الامم المتحدة ــ وعلى الرغم من انها تنطوي على تصورات وخطوات عملية ومفيدة لتحقيق الاصلاح المنشود ــ الا ان هذه التصورات والخطوات لا تخلو من الاغراض السياسية التي يراد منها ربط اقتصاديات الدول النامية بصورة اكبر باقتصاديات الدول الصناعية, وجعلها اكثر اعتمادا وانسياقا لهذه الاقتصاديات. ومن هنا فإن قضايا الاصلاح الاقتصادي بالدول العربية لا تزال تصطدم بالعديد من القضايا المعلقة بالنظر الى محاولة لفك الارتباط بين مضامينها الاصلاحية الجيدة, واغراضها السياسية السيئة. وبالامكان هنا تشخيص العديد من قضايا الاصلاح الاقتصادي المثيرة للجدل والخلاف والتي يمكن اعتبارها كنماذج لتلك القضايا المعلقة. وتتعلق القضية الاولى بدور الدولة في النشاط الاقتصادي. ان احدى القضايا الرئيسية التي جعلت منها برامج الاصلاح الاقتصادي هدفاً لهجومها هو دور الدولة في النشاط الاقتصادي. وقد رفعت هذه البرامج شعاراً هو تقليص هذا الدور الى ادنى حد ممكن سواء من خلال تجنيب دخول الدولة في المشروعات الاقتصادية الجديدة وفي تسيير عملية الاقتصاد او من خلال برامج التخصيص. ونفاجأ بعد هذه السنوات الطويلة من تبني هذا الشعار ان الكثير من الكتاب الاقتصاديين يرجعون اسباب فشل برامج الاصلاح الاقتصادي والمالي في عدد من الدول النامية الى الغياب الكامل لدور الدولة الاشرافي والرقابي والتوجيهي على هذه البرامج. ومن ثم فإنهم يطالبون بدور متوازن للدولة يتماشى مع سياسات التحرير والتكييف الاقتصادي. ومن هنا فإن المطالبة تتركز على تفعيل دور الدولة وليس تعظيمه. وهناك فارق جوهري بين تعظيم دور الدولة وتفعيل هذا الدور. اي ان المطالبة ليس بأن تلعب الدولة اكبر دور ممكن, وانما ان تلعب الدولة اكثر الادوار فاعلية, وهذا يعني في الواقع بدءا من النقطة الحالية اعادة هيكلة دور الدولة بتقليص تدخل الدولة في مجالات لانه معوق, وزيادة دور الدولة في مجالات اخرى لانه غائب, بل وخلق دور للدولة في مجالات يغيب عنها دور الدولة تماما هذه الايام, اذن باختصار اعادة هيكلة دور الدولة في النشاط الاقتصادي. وقضية ثانية من القضايا المعلقة هي اطلاق آلية السوق في مقابل التخطيط. ان العولمة والجات والتحرير الاقتصادي وظهور الكيانات العملاقة تعني ان دور الدولة في توجيه الاقتصاد المحلي آخذ بالتقلص لصالح قوى السوق العالمية. وهذا الطرح تروج له الدول الصناعية بالذات لانها تدرك انه ينطبق فقط على الدول الصغيرة وليست الدول الكبيرة ذات الشأن في الاقتصاد العالمي. فالدول الاوروبية لا تزال تفرض كيفما تشاء اجراءات الحماية الجمركية ــ وهي تحاول فرض ضريبة الكربون ــ وغيرها للحد من الصادرات البترولية والبتروكيماوية الخليجية. كما ان الولايات المتحدة لا تزال تهدد اليابان والصين بفرض العقوبات عليهما لتغيير سياساتهما الاقتصادية. ان آلية قوى السوق سواء في تحديد الاسعار او اطلاق المنافسة لا تتمتع باي صدق او نقاء, وانما تقودها مصالح اقتصادية عالمية او المسماة بالعالمية, كما ان الاسعار ليست نتاج التفاعل التلقائي بين قوى العرض والطلب في ظروف تنافسية صحية. فهذه المنافسة لم تعد قائمة بصورتها المطلوبة او المطروحة في الكتب الاقتصادية.