بينما يودع العالم عاما ليستقبل عاما جديداً, يجد الامريكيون أن لديهم الكثير من الانجازات التي يقتضي الاحتفال بها ولكن ايضا بعض الأمور التي تسترعي القلق, فعلى الصعيد الايجابي , تواصل الولايات المتحدة تمتعها بفترة من الازدهار الاقتصادي التي دامت معظم هذا العقد, وهناك عدد قليل من العاطلين عن العمل, ومثلما حقق الامريكيون الاغنياء نجاحا اقتصاديا, شهد العاملون ذوو الدخول المنخفضة في أمريكا زيادة في أجورهم. ومقارنة مع فترات أخرى في القرن العشرين, فان الولايات المتحدة اليوم تواجه تهديدات قليلة لأمنها القومي وتبقى جميعها بعيدة عن حدودها, وعلى الصعيد الداخلي, فان المجتمع الامريكي مستقر, ومعدل الجريمة في انخفاض, واجمالاً فان السلام والرخاء يخيمان على الولايات المتحدة عشية دخولها العام الجديد 1999. ومن الطبيعي ان تكون هناك مشاكل في أمريكا تحتاج الى عناية فائقة, فهناك مواطنون يعيشون في حالة من الفقر واطفال ومسنون دون رعاية طبية كافية, وتعاني المدارس الحكومية في الولايات المتحدة من نقص في المعلمين والعديد من المرافق الحيوية ولا تزال تشكل التوترات العنصرية والعرقية تحديا لجميع الامريكيين. وفي حين كانت سنوات التسعينات مفضلة بالنسبة لامريكا, الا ان معظم الامريكيين يتخوفون من أن تؤدي الدورة الاقتصادية قريبا الى قلب النمو الى ركود يضع حدا لفترة الرخاء, ان الأزمة الاقتصادية الآسيوية وانهيار أسعار البترول الذي يؤثر على الدول المنتجة منذ العام 1997 قد جعلا الامريكيين عصبيين, ويواجه الكثير من الامريكيين العاملين في صناعات الانتاج التقليدية احتمال فقدهم لوظائفهم بسبب المنافسة الأجنبية. وبينما يبحث مجلس الشيوخ الامريكي فيما إذا كان يتوجب عزل الرئيس كلينتون من منصبه بعد ان تم عزله من قبل مجلس النواب, فان الجمهور قلق من أن يؤدي التغيير المفاجئ للرؤساء الى تعطيل الفرص الجيدة للدولة. وتأتي مسألة دخول الولايات المتحدة للألفية الجديدة في مقدمة القضايا الاقتصادية والسياسية التي تواجهها أمريكا, ومثلما يتطلع الناس في شتى أنحاء العالم الى نهاية القرن العشرين وبداية عهد جديد بآمال كبار, فان الامريكيين يشعرون بتسارع نبض الأمة وخصوصا ان هناك تغيرات عميقة تجري ستستغرق وقتا لفهمها. فعلى سبيل المثال أصبحت أجهزة الكمبيوتر عصب الحياة الأمريكية, فكل شيء من الكهرباء حتى النقل والاتصالات والعمليات العسكرية والطب والأعمال المصرفية تعتمد على أجهزة الكمبيوتر في عملها, وتعتمد وظائف معظم الامريكيين على عمل أجهزة الكمبيوتر بشكل صحيح. ومع ذلك لا يفهم الكثير من الامريكيين ماذا تفعل هذه الأجهزة أو كيف تعمل؟ ان التحدي الماثل بمعالجة ما يسمى بعلة القرن التي تعجز بسببها أجهزة الكمبيوتر عن العمل بشكل ملائم لدى تغير العام من 1999 الى ,2000 يظهر مدى اعتماد العالم, وخاصة الولايات المتحدة على هذه التقنية الحديثة. وقد أبرزت التوترات المتواصلة في الخليج العربي دليلا اضافيا على التغيرات التي تحدثها التقنية, فالولايات المتحدة لا تركز على حجم الجيش العراقي وانما على تطور أسلحته ذات الدمار الشامل. وقد شهد الجهد العسكري الامريكي لاحتواء العراق منذ العام 1991 تحولا عن استخدام وسائل القتال التقليدية بواسطة القوات البرية الى استخدام الأسلحة المعززة بالكمبيوتر مثل صواريخ كروز التي لا تتطلب تواجد جندي واحد داخل العراق. وتعتبر الانترنت قوة ثورية أخرى في الولايات المتحدة والعالم, فلم يعد الناس يعتمدون على إرسال الرسائل بالبريد العادي حيث أصبح البريد الالكتروني, أسهل بكثير ولم تعد هناك حاجة لأن يقوم الباحث بزيارة المكتبة نظرا لوجود معلومات أكثر على كمبيوتر شخصي موصول بواسطة هاتف أو خط كيبل, بشبكة الانترنت العالمية, وحتى ان ولع الامريكيين المشهور للتسوق في مراكز التسوق يشهد تحديا سريعا من قبل امكانية التسوق وشراء البضاعة عبر الانترنت بواسطة بطاقة ائتمانية. وفي ظل وجود هواتف متحركة تبقي الناس على اتصال دائم مع العالم ومحطات تلفزة بالكوابل تقدم حرية وصول غير محدودة للمعلومات والبرامج الترفيهية التي تبثها, لم يعد هناك متسع من الوقت أمام الأمريكيين لكي يكونوا وحدهم, يضعون عملهم جانبا ويفكرون في حياتهم, وقال أحد الحكماء يوما ان في الحياة أشياء أكثر من مجرد زيادة سرعتها. ومع ذلك شهدت الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين تسارعا في وتيرة الحياة مدفوعا بالتقنيات الحديثة. ان القضية الملائمة للامريكيين في العام 1999 ليست في مقدار التغير الذي سيطرأ على أنماط حياتهم وانما في معنى الحياة في هذا العالم الجديد من الألفية الجديدة, لقد انتهت الحرب الباردة منذ حوالي ثماني سنوات, وينبغي على الامريكيين ان يسألوا كم من البناء الأمني الذي حال دون وقوع حرب عالمية ثالثة لا يزال ملائما للعالم في العام 2000 وما وراء ذلك. ان بروز سوق عالمية قد أدى الى نفع الكثير من الامريكيين اقتصاديا ولكنه آذى آخرين, ويتعين في ضوء ذلك على الولايات المتحدة تطوير سياسات تجارية ونقدية تشجع على استقرار السوق في الخارج وتخفف من الآثار السلبية على العاملين في الداخل. قد تكون أهم قضية يتعين على الامريكيين مواجهتها هي السؤال الأساسي حول الدور الامريكي في العالم وأولويات مسؤوليها المنتخبين, لقد أحدثت اجراءات عزل الرئيس كلينتون نقاشا وطنياً حول المعايير التي يتطلبها الناس من زعمائهم المنتخبين بشكل ديمقراطي, ويتمنى معظم الامريكيين لو ان الفضائح التي يواجهها رئيسهم لم تحدث أبداً, أما إذا أفرزت محاكمة مجلس الشيوخ المقررة للرئيس كلينتون فهماً أعمق للكيفية التي يجب ان تعمل بها الديمقراطية الامريكية في العالم المعاصر, فسيكون الامريكيون أفضل استعدادا لمواجهة أي حظوظ, جيدة أو سيئة, قد تقف في طريقهم. مساعد وكيل الخارجية الأمريكية السابق, شغل مناصب رسمية في وزارة الدفاع والخارجية والبيت الأبيض لما يزيد على 11 عاما, والمقال خاص لـ البيان*