بدأ اعتبارا من امس (الجمعة) التعامل في بورصات العالم وأسواقه المالية بالوحدة الاوروبية النقدية الجديدة اليورو التي قال جاك سانتير رئيس لجنة الاتحاد الاوروبي إنها ذات مغزى سياسي عالمي يجب على أوروبا استشفاف أبعاده واستثمارها لمصلحتها . وقد أحدث بدء التعامل بالوحدة الاوروبية الحسابية الجديدة - التي حددت على أساسها بلا رجعة أسعار صرف عملات إحدى عشرة دولة من دول الاتحاد الاوروبي - جو من الترقب والاثارة في الاسواق المالية العالمية رغم أن اليورو لن يدخل جيوب المتعاملين كعملة ورقية أو معدنية إلا بعد ثلاث سنوات في يناير من عام 2002. وتميزت ردود الفعل الاولية بالترحيب في مختلف مناطق العالم, حتى في الولايات المتحدة واليابان المنافسان الاقتصاديان الرئيسيان للاتحاد الاوروبي. وقال رؤساء الشركات اليابانية إن عامل الاستقرار المالي الذي سيضفيه اليورو شيء مرغوب فيه لدى الجميع فيما قال نظراؤهم في أمريكا إن الشركات الامريكية قوية إلى الدرجة التي لا تخشي فيها أي تأثير معاكس من بزوغ فجر اليورو. أما في الشرق الاوسط فقد بدأت الدول المصدرة للبترول من جديد في التفكير في ربط أسعار البترول بسلة من العملات, بدلا من الاعتماد على تقلبات عملة واحدة هي الدولار الامريكي. ويقول بعض المحللين إن هذا الاعتماد الذي لم يكن هناك مناص منه حتى الان جعل الدخل الحقيقي لمصدري البترول العرب عرضة في أحيان كثيرة للتلاعب تبعا لمصالح بعض كبار المستوردين والمصدرين. ومع توقع أفول نجم النظام المالي الاحادي القطب الذي تمثله الولايات المتحدة وعملتها الخضراء تنبأ محللون في مناطق عدة باندلاع منافسة اقتصادية حامية بين الحليفين العسكريين التقليديين على جانبي الاطلسي. وقال تقرير من بروكسيل بثته قناة فضائية عربية هي قناة الجزيرة القطرية إن هناك توقعات بمواجهة اقتصادية حادة وتوترات سياسية على المدى المتوسط بين أوروبا وأمريكا قد تصل إلى (حرب باردة) على الجبهات الاقتصادية العالمية. وأضاف التقرير إن اليورو يفتح الافاق أمام أوروبا لكي تصبح أكبر قوة اقتصادية في العالم وربما أيضا أكبر قوة سياسية. وأقيمت احتفالات بمولد اليورو تزامنت مع احتفالات رأس السنة الميلادية الجديدة في مختلف العواصم الاوروبية حتى في بريطانيا والدنمرك والسويد التي اعتذرت عن الانضمام لليورو في مرحلته الاولى وفي اليونان التي لم تتمكن من تلبية شروط الانضمام للاصدار الاول. وكان وزراء مالية واقتصاد الدول الاحد عشر المنضمة وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا قد وقعوا صباح امس الاول في بروكسيل على اتفاقية اليورو بينما أطلق أطفال المدارس خارج مقر الاتحاد الاوروبي ثلاثة آلاف بالونة صفراء وزرقاء وبينما كانت زجاجات الشمبانيا تفتح داخل المقر. وتشكل المنطقة التجارية الجديدة التي تشمل الاحدى عشرة دولة ما يقارب من خمس إجمالي الناتج العالمي وحجم تجارة سنوي يبلغ 765 مليار دولار وسوق قوامها 290 مليون نسمة يشكلون سكان ما أصبح يعرف منذ امس الجمعة باسم يورولاند, أو أرض اليورو. أكبر تنازل ويمثل القرار أكبر تنازل عن السيادة من قبل الدول الاعضاء منذ إنشاء السوق الاوربية المشتركة في عام 1957 حيث يعطي سلطة اتخاذ القرارات النقدية في الدول المشاركة, بما في ذلك تحديد أسعار الفائدة, للبنك المركزي الاوروبي الذي يتخذ من فرانكفورت بألمانيا مقرا له. وركز جاك سانتير رئيس مفوضية الاتحاد الاوروبي, لدى توقيعه الاتفاقية التي دشنت رسميا ما وصفه بأنه أكبر مخطط نقدي في القرن العشرين, على الابعاد السياسية التي ينطوي عليها خلق مثل ذلك الكيان النقدي العملاق. وأضاف سانتير والان فانه يتعين على أوروبا أن تصل إلى الاستنتاجات السياسية (المترتبة على ذلك) وأن تصبح موجودة سياسيا على المسرح العالمي. وتحدث ويم دويسنبرج رئيس البنك المركزي الاوروبي عن اليورو باعتباره رمزا لاتحاد أوروبا. وقال دويسنبرج سوف نفعل أقصى ما في طاقة البشر لنجعل اليورو عملة يضع مواطنو أوروبا ثقتهم فيها. وقد تم تحديد أسعار اليورو في الدول الاحدى عشرة المشاركة بصورة لا رجعة فيها على أساس التوصيات التي قدمتها مفوضية الاتحاد الاوروبي ورؤساء البنوك المركزية في دول الاتحاد الاوروبي الخمسة عشر الذين شاركوا في مداولات في وقت باكر يوم الخميس من خلال مؤتمر عقد بالفيديو. وبالنسبة للسعر الذي حددته المفوضية لليورو وهو 1,95583 مارك ألماني, فسوف يصل سعر العملة الاوروبية الموحدة إزاء الدولار استنادا إلى آخر أسعار الدولار/المارك يوم الاربعاء إلى حوالي 1,169 دولار. والدول الاحدى عشرة المشاركة في تدشين اليورو هي النمسا وبلجيكا وفنلندا وفرنسا وألمانيا وأيرلندا وإيطاليا ولوكسمبورج وهولندا والبرتغال وأسبانيا. ولن يبدأ تداول العملات وأوراق البنكنوت الخاصة بالعملة الجديدة إلا في أول يناير عام 2002 مما يعطى المواطن العادي فترة تحول ليبدأ في التعود على الاسعار الموضحة بالعملة الجديدة وبعملة بلاده. ومع ذلك بدأ على الفور استخدام اليورو من قبل الافراد والشركات كوحدة في الحسابات في المعاملات المصرفية, بما في ذلك استخدام الشيكات والبطاقات الائتمانية والبطاقات المصرفية. اليونان تقترب أما الدول الاربع التي لن تشارك في الاصدار الاول للعملة الجديدة فهي اليونان التي لم تتمكن من الوفاء بالمعايير المالية الصارمة بالنسبة لليورو, وكذلك بريطانيا والسويد والدنمارك وهى الدول التي فضلت من الناحية السياسية ألا تشارك في التدشين المبدئي للعملة. وأعلن يانوس بابانتونيو وزير المالية اليوناني إن بلاده تهدف إلى الانضمام إلى منطقة اليورو في يناير عام 2001 . وقال الوزير أنه بحلول نهاية عام 1999 ستكون اليونان قد تمكنت من اجتياز كل المعايير اللازمة لعضوية الاتحاد النقدية. وفي ألمانيا قال جيرهارد شرويدر المستشار الالماني إن أوروبا سوف تسيطر على تحديات العولمة بالعملة الجديدة. وقال شرويدر لصحيفة هاندلسبلات اليومية الخاصة بالاعمال إن العصر الذي "كانت الدول تقوم بوضع سياساتها الاقتصادية والمالية فيه منفردة" قد ولى. وأضاف انه يجب تقوية التعاون في أوروبا في ظل استخدام العملة الموحدة. ووصف شرويدر العملة الموحدة الجديدة بأنها (مفتاح أوربا إلى القرن الحادي والعشرين) , وقال إن اليورو قد نجح في اجتياز الاختبارات الاولية في الاسواق الدولية في نفس الوقت الذي يزداد فيه الاقبال على العملة الجديدة بين الاوربيين. وقال المستشار الالماني إن أوروبا وهي تقف الان واليورو وراءها قد أصبحت على أتم استعداد للتعامل مع رياح التغيير التي تهب على الاقتصاد العالمي. ـ د. ب. ا