شكلت الازمة النفطية في عام 1998 المشكلة الاساسية التى واجهت دول الخليج والدول الاخرى في منظمة الدول المصدرة للبترول(أوبك) ودول أخرى خارج المنظمة . وقد كانت الازمة النفطية في أحد وجوهها انعكاسا للازمة الاقتصادية التى أصابت دول جنوب شرق آسيا وامتدت الى مناطق أخرى من العالم, وقد ظهرت أبعاد الازمة النفطية الحالية على اقتصادات الدول الخليجية والدول الاخرى المنتجة للنفط من خلال تقلص عائداتها السنوية من النفط في عام 1998 بنسبة تصل الى أكثر من 50 في المئة في عدد من دول الخليج ودول أوبك عموما وهو ما ينعكس بشكل اخر على موازناتها السنوية التى أصيبت بعجز فعلى يزيد عن ما هو مقدر لها في الموازنات المعلنة لعام 1998. فقد فقدت الاسعار في عام 1998 أكثر من 45 في المئة من قيمتها ووصل معدل الاسعار في العام المذكور الى أدنى مستوياته منذ أكثر من 12 عاما الامرالذى دفع كثيرا من الدول في منطقة الخليج ودول نفطية أخرى الى اتخاذ اجراءات فاعلة وقوية للخروج من الازمة و الحد من تأثيراتها ومحاولة الخروج منها بأقل الخسائر. الأسباب ولكن حل الازمة النفطية يتطلب أولا التعرف على مسبباتها والعوامل التى كانت وراءها ومراحل تطورها والتعامل معها من داخل أوبك وخارجها فالازمة الاخيرة في سوق النفط بدأت وتكونت في أحضان النصف الثانى من عام 1997 وكان العامل الرئيسى في حدوثها الازمة الاقتصادية التى ضربت دول جنوب شرق آسيا وامتدت الى أندونيسيا وروسيا ودول أخرى في آسيا وأمريكا اللاتينية وباتت تهدد الاقتصاد العالمى ككل. وقد أخذت هذه الازمة تترك تأثيرات سلبية على أسواق النفط العالمية والاسعارالتى بدأت بالتراجع بشكل متسارع الامر الذى انعكس بقوة على موازنات الدول المنتجة للنفط وأمام هذا التحدى بدأت دول أوبك وبالتعاون مع منتجين اخرين من خارج المنظمة تحركا للخروج من هذه الازمة. وجاء في هذا الاطار اجتماع وزراء النفط والطاقة في السعودية وفنزويلا والمكسيك في فبراير 1998 في الرياض واتخذت هذه الدول في هذا الاجتماع قرارا بتخفيض انتاجها بمقدار 600 الف برميل يوميا فكان هذا القرار أساسا لعقد اجتماع استثنائى لمنظمة أوبك في مارس الماضى انتهى باتفاق على تخفيض الانتاج بمقدار 1250 برميل يوميا لدعم أسعار النفط. غير أن هذه التخفيضات لم تكن كافية ومؤثرة في السوق النفطية الامر الذى حدا بمجموعة الرياض لعقد اجتماع اخر في أمستردام توصلت فيه الدول الثلاث الى قرار بتخفيض انتاجها مرة أخرى بمقدار 450 الف برميل يوميا, وكان عقد هذا الاتفاق أساسا مرة أخرى لاتفاق جديد في أوبك عند اجتماعها في يونيو 1998 في فيينا قررت فيه تخفيض انتاجها بمقدار 350ر1مليون برميل يوميا ليصل مجموع التخفيض الى 6ر2 مليون برميل يوميا ابتداء من أول يوليو الماضي. وقد ساندت عدة دول من خارج أوبك اتفاقى مارس ويونيو بتخفيض الانتاج وحضور الاجتماعين بصفة مراقب والاعلان عن تخفيضات في الانتاج وصل مجموعها الى 600 الف برميل يوميا, وبقدر ما أثبتت معظم دول اوبك التزاما بالتخفيضات المقررة سجلت السوق النفطية والمصادر في أوبك وخارجها حدوث خروقات من جانب بعض الدول الامر الذى أخل بمصداقية أوبك بالقرارات التى تتخذها وانعكس ذلك في حدوث مزيد من الانخفاض في أسعار النفط نتيجة استمرار الفائض في الامدادات البترولية واستمرار التراجع في الطلب العالمى على النفط بسسب تفاقم أزمة الاقتصادات الاسيوية وامتدادها الى اليابان وروسيا الاتحادية. وكان هذا الوضع سببا في تدنى الاسعار الى مستويات قياسية رغم التزام شبه جماعى من جانب دول أوبك وصلت نسبته الى 93 في المئة من التخفيض المتفق عليه.وقد ولد استمرار انخفاض الاسعار والالتزام شبه الكامل بالتخفيضات الانتاجية احساسا داخل أوبك بامكانية اتخاذ اجراءات اضافية عندما تجتمع في نوفمبر 1998 في فيينا من شأنها دعم أسعار النفط بعد احساس جميع الدول بخطر الازمة التى وصلت الى جيوب معظم الدول الاعضاء وبدأت تضغط بشكل قوى على موازناتها وبرامجها الاقتصادية. اتجاهان وتبلور أمام أوبك في هذا الاجتماع اتجاهان يدعو أولهما الى تمديد اتفاق يونيو 1998 حتى نهاية 1999 ويدعو الاخر الى اجراء مزيد من التخفيض في الانتاج لدعم الاسعار المتدنية, غير أن كلا الاتجاهين لم يحظيا بموافقة جماعية رغم اجتماعات مغلقة طويلة وذلك نتيجة اصرار بعض الدول على الاستمرار في عدم الالتزام الكامل بتعهداتها بشأن تخفيض الانتاج. وقد أدى هذا التطور الى عدم موافقة بعض دول أوبك على اجراء تخفيض جديد في الانتاج مالم تلتزم جميع دول أوبك بالتخفيضات التى تعهدت بها في اجتماع يونيو السابق. وأمام هذه العقبات التى واجهت اجتماع نوفمبر اضطرت أوبك الى تأجيل التعامل مع المشكلة الى اجتماع قادم لاجراء مزيد من المشاورات والاتصالات لحل العقد التى تواجهها, ولكنها تحت احساس ضغط المشكلة وعدم القدرة على الانتظار طويلا اتخذت أوبك اجراء بوضع نظام جديد لاجتماعاتها بعقد اجتماعيها السنويين في مارس وسبتمبر بعد أن كانا يعقدان في يونيو ونوفمبر من كل عام. مهمة صعبة ولذلك سيكون أمام أوبك في اجتماع مارس المقبل مهمة صعبة للغاية ولذلك بدأت الاتصالات بين الدول الاعضاء والمنتجين الاخرين في التحضير للاجتماع المقبل وبرز في هذا الاتجاه عقد مجموعة الرياض اجتماعا في منتصف ديسمبر 1998 في مدريد في محاولة لاقناع فنزويلا بالموافقة على تمديد العمل بالتخفيضات الانتاجية المعلنة في يونيو 1998 حتى نهاية 1999 وذلك في خطوة نحو بلورة اتفاق جماعى في اجتماع مارس المقبل. غير أن السوق النفطية لم تعط انتباها كافيا لاجتماع مدريد والحوادث الاخرى التى تزامنت معه فتراجعت أسعار النفط الى مادون حاجز 10 دولارات للبرميل. ويبدو أن السوق البترولية فقدت في الايام الاخيرة من عام 1998 مصداقيتها تجاه أوبك, وقد تولد هذا الشعور نتيجة تقارير تؤكد أن التزام دول أوبك بالتخفيضات الانتاجية تراجع في نوفمبرالماضى الى حوالى 70 في المئة بعد أن كان في أكتوبر 93 في المئة الامر الذى شكل ضغطا اضافيا على الاسعار وزاد من تأثيره وجود فائض في العرض وزيادة كبيرة في المخزون الاستراتيجى وحدوث شتاء معتدل في شمال الكرة الارضية, وأمام هذا الوضع بدأت أوساط في أوبك تتحدث عن الدعوة لعقد اجتماع استثنائى للمنظمة ولكن تزامن هذه الدعوة مع شهر رمضان أجل الفكرة الى ما بعد شهر الصوم وستكون مسألة عقد اجتماع استثنائى مرتبطة بمدى استمرار هبوط أسعار النفط الخام والمستوى الذى تصل اليه. ومهما يكن الامر بشأن عقد اجتماع استثنائى أو عقد الاجتماع العادى في مارس المقبل فان كلا منهما سيعقد على أرضية صلبة نتجت عن اجتماع القمة الخليجية التاسعة عشرة التى عقدت في أبوظبى في السابع من ديسمبر 1998. تمديد الالتزام فقد قررت القمة في اطار قضايا النفط تمديد التزام الدول الاعضاء في مجلس التعاون باتفاق تخفيض الانتاج حتى نهاية 1999 واستعدادها لاجراء تخفيضات انتاجية جديدة في حالة التزام جميع دول أوبك بالاتفاق السابق, ولكن أوبك مهما كان القرار الذى ستتخذه في مارس أوقبله فانها لاتملك جميع الاوراق في يدها لدعم أسعار النفط كونها لاتنتج سوى ثلث الانتاج العالمى الامر الذى يلقى مسؤولية كبيرة على الدول المنتجة الاخرى للتعاون مع أوبك لتحقيق التوازن بين العرض والطلب, ولكن الدوائر البترولية لاتبدى تفاؤلا كبيرا بشأن استقرار السوق النفطية مالم تظهر نتائج مشجعة على قرب انتهاء الازمة الاقتصادية في آسيا خصوصا وأن التقارير العالمية تعطى اشارات متناقضة حول نجاح البرامج المعلنة لتجاوز هذه الازمة في وقت قريب جدا. ولذلك يتوقع أن تستمر الازمة النفطية عام 1999وربما حتى بداية القرن المقبل ولذلك يتعين على دول أوبك وخصوصا دول الخليج التى تعتمد بشكل كبير على عائداتها وايراداتها من النفط الخام اتباع برامج اقتصادية تتناسب مع التطورات المتوقعة في أسواق النفط. وقد بدأت دول الخليج بالفعل انتهاج سياسات اقتصادية لتنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على مصدر وحيد لتمويل موازناتها وافساح المجال أمام القطاع الخاص للعب دور في الا قتصادات المحلية وفرض رسوم على الخدمات والحديث عن سياسات سكانية وعمالية جديدة. ولكن هذه الدول ترى أن تحسن أسعار النفط يبقى الهدف الاساسى الذى يتعين الوصول اليه في هذه الفترة ولذلك سيكون أمام أوبك مهمة صعبة وقاسية في اجتماعها المقبل في مارس المقبل في فيينا تنحصر في تمديد اتفاق يونيو الماضى حتى نهاية 1999 أو اجراء تخفيضات جديدة في الانتاج على أن يساندها في ذلك مجموعة الدول المنتجة الاخرى من خارج أوبك. ــ وام