من الملاحظ في الحقيقة ان المسلمين اليوم يركزون في إخراج الزكاة ونقصد هنا زكاة المال (الزكاة العامة) على شهر رمضان فقط ويندر ان نرى من يخرج زكاة ماله في غير رمضان , وهذا في الحقيقة خطأ جسيم يدب ويتأصل في جسد الأمة الإسلامية وروحها وفكرها, ولربما يعود ذلك الى اعتقاد الأمة بأن هذا الشهر تضاعف فيه الحسنات, صحيح ان شهر رمضان شهر تضاعف فيه الحسنات غير ان الشروع في تأجيل إخراج زكاة المال الى شهر رمضان يخرج بفرضية الزكاة عن أهدافها وغاياتها ومقاصدها ويأثم الانسان على تأخير دفعها الى مصارفها المحددة في الوقت المحدد. ان الزكاة العامة (أي زكاة المال) والتي هي الركن الثالث من أركان الاسلام فرضت في السنة الثانية للهجرة ولكنها لم تفرض في رمضان, بل انها فرضت بعد رمضان بدليل ما رواه الأئمة أحمد وابن خزيمة والنسائي وابن ماجه والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة, ثم نزلت فريضة الزكاة, فلم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله) قال الحافظ ابن حجر إسناده صحيح (راجع فتح الباري ج3), والمعروف ان زكاة الفطر فرضت في شهر رمضان من العام نفسه وكانت قبل الفطر بيوم أو يومين فقط, وهذا ما يؤكد ان الزكاة العامة لم تفرض في رمضان بل فرضت بعده. والحقيقة ان فرضيتها بهذه الطريقة وبهذا التوقيت يجعلنا نستنتج حكمة إلهية من وراء ذلك, ألا وهي جعل هذه الزكاة تتصف بالاستمرارية على مدار العام, وترتبط بنماء المال وتثميره وعروض التجارة والأرباح, حيث يشترط لفرضية وجوب إخراج الزكاة بلوغ النصاب وحولان الحول, وحولان الحول قد يكون في رمضان أو في غيره من أيام السنة. ويرى جمهور العلماء على ان الآية المكية في سورة الأنعام (وآتوا حقه يوم حصاده) ليس المراد بها الزكاة المفروضة, حيث كان الناس معتادين على إعطاء الفقراء والمساكين من الزروع وقت حصادها برضاهم ودون تحديد لنصاب أو حد معين. ويذهب بعض العلماء إلى ان فرضية الزكاة كانت بمكة المكرمة بهذه الآية, ثم نزل تأكيد فرضيتها وبيان أنصبتها ومصارفها, ومقدار المخرج من كل نوع الى غير ذلك من التفصيلات في المدينة المنورة. والحقيقة ان الزكاة العامة لكي تؤتي ثمارها ومردودها الاقتصادي للمجتمع يجب ان تتسم بالخصائص الآتية: 1- إلزامية إخراجها: الزكاة فريضة إلزامية الأداء على كل مسلم حر مالك لنصابها, فرضت بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة والاجماع, ولقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على قتال مانعها, روى البخاري ومسلم وغيرهما من رواة الأحاديث عن أبي هريرة رضي الله عنه (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر وكفر من كفر من العرب, قال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله, فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله) فقال (أبو بكر): (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة, فإن الزكاة حق المال, والله لو منعوني عناقا أو عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم علىه, قال عمر: فو الله ما هو إلا ان رأيت قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال, فعرفت انه الحق) . هؤلاء السلف كانت لديهم الرغبة الشديدة بالتفقه في دين الله وتفهم أحكامه ومقاصده فزادهم الله علما ونورا وفقههم في دينه وبالفعل قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه المرتدين عن دفع الزكاة, وهذا يؤكد الزامية إخراجها ولو بسلطة الدولة, غير ان الدولة اذا تدخلت وفرضت سلطتها في جباية الزكاة يجب ان تحرص بالمقابل ايضا على التقيد بكافة الأحكام والضوابط الشرعية التي تحكم هذه الفريضة وتسهل تدفقها وانسيابها الى مصارفها التي حددت لها من قبل الشارع الحكيم. 2- فورية اخراج الزكاة في حينها وعدم تأخيرها, وذلك لضمان استمرارية تدفقها طوال السنة على الفئات التي تحتاج بالفعل اليها. 3- الأصول المتداولة (الأصول الجارية) يزكى منها ذاتها اذا بلغت النصاب وحال عليها الحول تحت ملكية شخص واحد لها, أما الأصول الثابتة (الأصول الجامدة) وخاصة في الاستثمارات الطويلة الأجل فيزكي من نمائها وأرباحها وليس من أعيانها الأصلية. 4- مصارف الزكاة محددة ويجوز اسقاط بعض منها بصفة مؤقتة كما فعل سيدنا عمر بن الخطاب في سهم المؤلفة قلوبهم مثلا اذا دعت الى ذلك ضرورة, ولا يجوز تجاوز تلك المصارف الى غيرها, ويجوز إعطاء أولوية على بعضها دون الأخرى. 5- يجب الالتزام بكافة الأحكام التي تحكم هذه الفريضة من حيث نصابها ومصارفها وحولان الحول ومقدارها. والحقيقة ان فريضة الزكاة في تفصيلات كثيرة غير ان ما أردنا التركيز عليه في هذه العجالة هو ان الزكاة يجب ان يتم تدفقها الى مصارفها على مدار العام وليس فقط في رمضان.