كان من الطبيعي ازاء التحولات العالمية المتسارعة وأبرزها تفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم ان تطال هذه التحولات اعمدة وركائز الاقتصاد العالمي , ومنها موضوع المعونات المالية والتقنية الامريكية والاوروبية للدول النامية بغية ربط هذه المعونات بصورة أكبر بأهداف تسريع تحول اقتصاديات هذه الدول نحو تبني نهج الاقتصاديات الحرة والرأسمالية, وقد انتقد الكونجرس الامريكي بشدة المعونات الخارجية التي تقدمها امريكا في السنوات الأخيرة على أساس ان البلدان التي قدمت اليها المعونات لايمكن أن تنجو من الفقر بفضل مبلغ يقدم اليها على سبيل التبرع بل من خلال تحقيق النمو الاقتصادي في الأجل الطويل. ومن وجهة النظر الامريكية هذه فان تحقيق النمو الأطول أجلا لايمكن تحقيقه الا في اطار الاقتصاد العالمي وضرورة اتباع هذه الدول سياسة تقوم على الملكية الخاصة وليس العامة للأعمال التجارية, وعليها الاندماج في أنظمة التجارة الخارجية والتكنولوجيا العالمية وان تكون منفتحة على الأفكار والاستثمارات وان يكون لها حكومات تقبل سيادة القانون وتكبح جماح الفساد, لذلك فان تقرير الكونجرس الأمريكي يرفض بشدة برامج المعونة الخارجية المفتوحة كونها تحبط آفاق النمو الطويل الأجل اذا ما سمحت للبلدان ان تتملص من اتخاذ القرارات السياسية الصعبة ومنها قرارات قطع دابر الفساد والامتيازات الخاصة التي تحظى به الصفوة أو المحاسب, ومن وجهة النظر الأمريكية هذه ايضا فان برامج المعونات يجب ان يكون أكثر رشدا وتركيزا على البلدان الحريصة على الاصلاح في اقتصاداتها على أسس السوق الحرة. ولقد كان هذا بالضبط هو هدف مشروع مارشال الشهير لتعمير اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية الذي كان يتسم بخاصتين: انه كان مشروطا باجراء تغييرات سياسية في البلدان المتلقية للمساعدات الامريكية, والثانية انه كان موقوتا بفترة خمس سنوات لا أكثر, والنهج نفسه اتبعته برامج للمعونة الامريكية على غرار ما قدمته واشنطن الى كوريا الجنوبية والى تايوان في نهاية الخمسينات, وكذلك الحال لبولندا التي قيدت للتحول بسرعة الى اقتصاد السوق في عام 1990 بفضل 200 مليون دولار من امريكا و800 مليون دولار من اوروبا واليابان على شكل مساعدات اعطيت لهذا الغرض. الا ان وجهة النظر الامريكية هذه تتناسى الكثير من الأمثلة السلبية الأخرى التي تفضح حقيقة هذه المعونات وأهدافها, وعلى سبيل المثال لو حاولنا العودة الى الوراء وتحديدا في سنوات السبعينات لوجدنا ان المصارف الامريكية لعبت دورا رئيسيا في اغراق دول امريكا اللاتينية بالقروض, واللافت للنظر انه عندما انهارت قدرة هذه الدول على سداد القروض لم تنهار معها قدرة المصارف الامريكية على الاستمرارية, وهذا لا يوحي لكون قدرات هذه المصارف هي أكبر من قدرات الدول بقدر ما يوحي الى وقوف السلطات والكارتلات الرأسمالية والاقتصادية وراء هذه المصارف ودعمها للاستمرار في حين انها تخلت عن تلك الدول لكي تنهار ومن ثم تدخل في دوامة جديدة من التبعية والارتداد. ان موضوع المعونات الاقتصادية الامريكية والاوروبية بات سمة لازمة للنظام الاقتصادي العالمي, وحتى ان استطاعت بعض الدول تفادي المعونات المالية والمادية المباشرة فانها لن تستطيع تفادي الحاجة للمعونات الفنية والتقنية, الا ان ما يجب التأكيد عليه هنا ان هذه الدول بحاجة ــ وقبل أو على الأقل تزامنا مع التعامل مع هذه المعونات ــ ان تحدد اهدافها التنموية بشكل واضح, كما تعمل على حشد امكاناتها الذاتية وتعظيم استثمارها بشكل علمي وبحيث يكون دور المعونات الخارجية دورا ثانويا ومكملا وليس اساسيا ورئيسيا والا فان لعب هذه المعونات لدور اساسي يعني قدراتها على التأثير في استقلالية ومستقبل هذه البلدان بصورة كبيرة ومؤثرة, والواقع ان الكثير من البلدان استطاعت ولو في فترة محددة من الاستفادة من المعونات الخارجية في سنوات الاصلاح والفيصل هنا ليس حجم الاموال والمعونات المستلمة وانما وضوح الاهداف والارادة السياسية المستقلة والعزيمة على البناء والتطور السليمين.