تشهد الدول الخليجية في الوقت الحاضر تداول العديد من التشريعات والقوانين الهادفة الى تحويل التجارة والاقتصاد في خطوات استعدادية لما سوف تفرضه اتفاقيات الجات على الدول خلال السنوات العشر المقبلة من خطوات واجراءات تهدف الى فتح اقتصادياتها أمام العالم . وقد شملت هذه التشريعات والقوانين عدة مجالات حيوية مثل المحاماة والتأمين على الحياة والوكالات التجارية. وقد واجهت التعديلات الهادفة الى تحرير التشريعات والقوانين الخاصة بهذه الانشطة معارضة وانتقادات فيما حاولت الجهات المختصة توضيح اهداف هذه التعديلات ولعل آخرها ما نسمع عنه ونقرأه في الوقت الحاضر حول التعديلات المقترحة على قانون الوكالات التجارية. اننا ندرك ان نهج التحرر الاقتصادي يبرز في الوقت الراهن كنهج عالمي تتبعه الكثير من الدول في اطار برامج موضوعة للاصلاح الاقتصادي, كما ينطوي هذا النهج على جعل الانشطة الاقتصادية والاستثمارية قائمة على أساس التنافس والكفاءة أمام المستثمرين المحليين والاجانب وتخليص الاقتصاد من التشوهات والمعوقات التي تحد من تحقيق ذلك. وبمعنى آخر فإن اقتصاديات دول المنطقة ــ وبالمحصلة النهائية ــ لابد ان تنفتح أمام اقتصاديات العالم سواء تحت مظلة الجات أو غيرها من المظلات, فالسنوات المقبلة هي سنوات اندماج الاقتصاديات وتكاملها على مستوى العالم. الا اننا نريد في هذا المجال توضيح قضيتين أساسيتين ذاتا صلة بالتحرير الاقتصادي الأولي هي كون اجراءات التحرير الاقتصادي لا تمثل بغاية بذاتها وإنما وسيلة لبلوغ غاية معنية, والقضية الثانية هي الاجراءات التي ترافق قرارات تحرير الاقتصاد. ففيما يخص القضية الأولى, فإننا نلاحظ انه وعلى الرغم من الجهود المتواصلة والحثيثة التي تبذلها الاجهزة المعنية في دول المنطقة من أجل تثبيت وتطوير سياسات التحرر الاقتصادي, نقول على الرغم من هذه الجهود, فإن التحرر الاقتصادي المتحقق في هذه الدول لم يتم استثماره بالشكل المطلوب سواء في جذب الاستثمارات الوطنية أو الخارجية. فاجراءات التحرير الاقتصادي تنطوي على تكاليف يدفعها الاقتصاد الوطني نفسه, واذا لم تقابل هذه التكاليف المردودات المرضية على المديين قصير وطويل الأجل, فلابد ان يعاد النظر في تلك الاجراءات. اما القضية الثانية, فهي الخاصة بالاجراءات المصاحبة لقرارات التحرير الاقتصادي, فعندما يجري الحديث عن اندماج اقتصاديات العالم وتكاملها خلال السنوات المقبلة, فإن القائمين على تخطيط وتوجيه هذه الاقتصاديات لابد انهم الآن يواصلون البحث عن المزايا الخاصة التي تتمتع بها اقتصادياتهم لتمتاز بها عن بقية دول العالم في منظومة الاندماج والتكامل. وفي الوقت الذي نتفق فيه بأن الاستعداد لهذا الاندماج بحاجة الى خطوات تتخذ من الآن لكي لا نجبر لاحقا على اتخاذ خطوات متعدلة وقسرية, فإننا نرى ان فترة السماح الممنوحة للدول النامية لتحرير اقتصاداتها والتي تصل الى عشر سنوات لبعض الخدمات ليس المقصود منها تمكين هذه الدول من اتخاذ خطوات تمهيدية على طريق التحرير والكامل فحسب, بل والأهم من ذلك تأهيل أنشطتها وقطاعاتها الاقتصادية, وخاصة تلك التي تمتاز بمزايا تنافسية واضحة تؤهلها للاستمرار والتفوق حتى يظل الانفتاح الكامل وذلك من خلال سلسلة من اجراءات التعزيز والتقوية الذاتية. اننا واثقون ان أنشطة وقطاعات اقتصادية عديدة تمتاز بمزايا تنافسية كبيرة تؤهلها للاستمرارية والبقاء لتلعب دورا رئيسيا في تنويع الاقتصاد. والمطلوب تحديد هذه الانشطة والقطاعات والعمل على تعزيزها وتأهيلها وتقوية امكاناتها الذاتية جنبا الى جنب مع اجراءات التحرير, ولكي لا يخلق احساس معاد لهذه الاجراءات يصورها وكأنها تريد الهدم بدلا من البناء.