حذرت الكويت من ان اسعار النفط الخام العالمية قد تنحدر الى خمسة دولارات للبرميل الواحد بالاسعار الجارية وهو ما يعادل في الحقيقة حوالي 30 سنتا باسعار بداية السبعينات. اما السعر الحقيقي لبرميل النفط اليوم بأسعار بداية السبعينات ومع الاخذ في الاعتبار مستوى التضخم النقدي وتدهور قيمة الدولار الامريكي فهو لا يتجاوز في الحقيقة 75 سنتا وهذه في الحقيقة هي اسوأ كارثة تشهدها دول الخليج العربية منذ قيامها. لقد حذر نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الاحمد الصباح قائلا: ينبغي ان نضحي جميعا فالوضع خطير) . وتخطط الكويت ميزانيتها القادمة على افتراض 8 دولارات لبرميل النفط خلال السنة المقبلة ولقد اعلنت بصفتها دولة ديمقراطية حقيقة الوضع الاقتصادي القائم والمستقبلي والعجز المتوقع في الميزانية العامة للدولة والطرق المتاحة لمعالجته. ولقد اعلنت المملكة العربية السعودية كذلك عن حجم العجز في الميزانية العامة والطرق المتاحة لمعالجته. والحقيقة ان الكارثة لن تقتصر على دول دون اخرى وانما هي سوق تشمل كافة دول المنطقة وبدرجات متفاوتة. والسؤال الذي يطرح نفسه بل التساؤلات التي يمكن ان يطرحها المرء هي: اين تذهب اموال النفط منذ استقلال هذه الدول حتى اليوم؟ واين يذهب المستقطع للاجيال القادمة؟ واين يذهب المستقطع للادخار؟ وكيف صار افراد في هذه الدول اغنى من الحكومات؟ واين الصناعات التحويلية التي نتحدث عنها لكونها الغطاء الحقيقي في مواجهة ازمات النفط؟ واين التنمية الاقتصادية التي نتحدث عنها؟ وماهو مصير هذه الامة لو استمرت اسعار النفط على هذا المستوى لمدة عام كامل؟ في الحقيقة ان ملخص الاجابة على كافة هذه التساؤلات هو اننا نعيش في عالم الوهم والخيال ونتجنب دائما مواقف المصارحة واظهار الحقائق. وفي غياب الروح الديمقراطية تحتفي الحقائق وتظهر الاوهام فنروج لها اعلاميا ونعيش في احلامها بعيدا عن عالم الواقع. ونعيش بالتالي حالة من الازدواج في الشخصية فنتظاهر بالغنى وبحبوحة العيش بينما نحن في الواقع غير ذلك تماما. فمتى نصحو من ذلك الحلم الجميل الى عالم الواقع, نصحو الى العالم الذي لا يعرف سوى الانسان المنتج, نصحو الى العالم الذي لا يحترم سوى المنتجين للانتاج الحقيقي ولا يقيم وزنا عالميا الا لمن ينتج نحن كدول عشنا اكثر من 30 سنة من الاستقلال والتمدن ولم نتمكن من ايجاد ذلك الانسان الذي يفكر, كيف يستهلك, وكيف ينتج, وكيف يدخر, وكيف يستثمر, وكيف يخلق تنمية اقتصادية واجتماعية وفقا للمعايير والمقاييس العالمية المعتمدة. وهذه حقيقة واقعة نلمسها جيدا عندما نقارن انفسنا بشعوب الدول الصناعية والدول الحديثة العهد بالتصنيع كدول جنوب شرق آسيا, فنحن في الحقيقة نعيش في وهم كبير وحلم خلقناه لانفسنا. ان رواج التجارة لسلع ومنتجات ليس لنا يد في تصنيعها لا يعتبر انتاجا حقيقيا. وان بيعنا للنفط الخام او الغاز الطبيعي والذي هو موارد اقتصادية طبيعية وليس لنا يد حقيقية وطنية في انتاجه (كخبرة وتكنولوجيا) لا يعتبر انتاجا وطنيا حقيقيا. وان تصديرنا لصخور الجبال والموارد الاقتصادية الطبيعية دون ان يكون لنا يد وطنية حقيقية في انتاجه (كخبرة وتكنولوجيا) لا يعتبر انتاجا حقيقيا وطنيا. فأين الانتاج الحقيقي اذا؟ هل هو تعليب التمور وباقي المواد الغذائية ام هو صناعة المرطبات ام هو انتاج المكسرات والمواد الغذائية للاطفال المليئة بالمواد الحافظة والمواد الملونة ومكسبات الطعم الممنوعة عالميا والمكتوب عليها (مسموح بها وبدون تحديد انواعها) والتي هي في ذات الوقت عديمة القيمة الغذائية. اين الانتاج الحقيقي واين التنمية الحقيقية؟ لابد من جلسة مصارحة مع النفس, ولابد من جلسة محاسبة وتدقيق ومراجعة حقيقية وصريحة لافعالنا وتصرفاتنا فإلى اين نحن نمضي. وماهي اهدافنا. وماهي انجازاتنا الحقيقية< انا لا اقلل من الانجازات العظيمة التي تحققت وخصوصا في دولة الامارات ولكنني ادعو الى اننا بحاجة ماسة الى تغيير تفكيرنا ومن ثم نمط حياتنا ليتفق مع روح العصر الذي نعيشه. والتغيير هنا ليس المقصود به فئة من الناس دون سواها وانما التغيير يشمل جميع فئات الشعب. اننا بحاجة فعلية الى تغييرات اقتصادية هيكلية ولكن ليس في الهيكل المادي للاقتصاد فحسب وانما في فكر الانسان ذاته ونمط حياته لانه هو المحور الحقيقي للتنمية الاقتصادية وهذا في الحقيقة يتضمن تغييرا في السياسات التربوية والتعليمية.