بالامس القريب كنا نلاحظ ان بعض الشركات المساهمة العامة الجديدة كانت تغطي حجم الاكتتاب المطروح بمرات عديدة وصلت في بنك ابوظبي الاسلامي على سبيل المثال اكثر من 12 ضعفا وسادت تلك الظاهرة سوق الاسهم المحلية حيث شملت كافة الشركات الجديدة. واليوم نلاحظ العكس تماما, فهاهو بنك دبي الاسلامي وهاهي شركة الاسماك العالمية جميعها تلجأ الى تمديد فترة الاكتتاب بسبب عدم تمكنها من تغطية رأس المال المطلوب. والحقيقة اننا لو لاحظنا هذه الظاهرة في سوق رأسمالية ناضجة وسوق للاوراق المالية ناضجة ومنظمة وذات خبرة عريقة لكان ذلك اشبه بالكارثة الاقتصادية التي تعكس تدهور الوضع الاقتصادي في البلد المعني بيد اننا في دولة الامارات مازلنا في طور النمو في كافة الانشطة والقطاعات المختلفة وان مايطرأ على سوق الاسهم من تغيرات وتقلبات في الاسعار لايعكس الوضع الاقتصادي الكلي للدولة وان كان يعطي مؤشرات ذات دلالة نسبية تعكس الى حد ما بعض المتغيرات الاقتصادية التي تحدث في الداخل او تلك التي تحدث في الخارج ولها ارتباط مباشر مع اقتصاد الدولة, غير ان هذه الدلالة النسبية غير كافية لبناء قرار عليها على المستوى الكلي. ان ظاهرة عجز الشركات الجديدة عن تغطية حجم الاسهم المطروحة للاكتتاب العام يرجع تفسيرها الى عدة عوامل بعضها يعود الى ذات الشركة نفسها المطروحة للاكتتاب وطبيعة القطاع الذي تنتمي اليه. وبعضها يعود الى الوضع العام الذي يسود سوق الاوراق المالية المحلي اليوم. وبعضها يعود الى الوضع الاقتصادي العام. وبعضها يعود الى المستثمرين انفسهم واوضاعهم النفسية المدمرة وعلى وجه العموم من الممكن صياغة تلك الاسباب في النقاط الآتية: 1- بالنسبة لشركة الاسماك فهي تنتمي الى القطاع الصناعي (الصناعات الغذائية) والمعروف ان القطاع الصناعي استثماراته طويلة الاجل ولا يأتي مردودها بسرعة ولقد اثبتت الشركات الصناعية والعقارية الجديدة التي قامت حتى الآن ان استثماراتها طويلة الاجل. والمستثمر في الدولة يفضل الاستثمارات قصيرة الاجل من اجل تحريك رؤوس امواله. وهذه في الحقيقة ظاهرة صحية تعكس وعي المستثمر وادراكه حسب الظروف والمعطيات الخليجية المعاصرة غير ان القطاع الصناعي لو استطاع ان يقوم بنوع من التنسيق على مستوى الخليج ويضمن على الاقل الاسواق الخليجية في تسويق منتجاته وبالتالي العمل على تطوير ذلك القطاع على المستوى الخليجي سوف نجد المستثمر الخليجي يغير من سلوكه الاستثماري وتزداد ثقته في القطاع الصناعي فيقبل عليه. 2- لم تدخل في هذه الشركة حكومات من الامارات ذات الاقتصاديات القوية لتعطيها مزيدا من الدعم والثقة. 3- بالنسبة لبنك دبي الاسلامي وعلى الرغم من قوة البنك وعراقته الا ان الازمة التي مربها البنك كانت هي السبب الرئيسي وراء ذلك. ولقد كان المساهمون والمستثمرون يطمحون الى مزيد من التغيير في الهيكل الاداري والتنظيمي للبنك وفي السياسة العامة لادارة البنك والى تحمل الحكومة عبئا اكبر من ذلك لاستعادة الثقة في البنك وتحويل طريقة ادارته من الطريقة العائلية الى الطريقة المؤسسية وفقا لقانون الشركات المعمول به في الدولة. 4- الوضع العام الذي يسود سوق الاسهم المحلية والناجم في الحقيقة عن المضاربات غير المسؤولة التي حدثت في الصيف الماضي في ظل غياب اجهزة الرقابة الحكومية عن ضبط السوق. والحقيقة ان الرقابة لاتعني بالضرورة قيام البورصة, فوزارة الاقتصاد والتجارة والمصرف المركزي من الممكن جدا ان ينسقا معا لضبط السوق وبالقوانين والاجراءات الحالية ودون الحاجة الى قوانين جديدة, كل ما سيحتاجان اليه من قواعد تشريعية في الوقت الراهن لن يتعدى قرارات من مجلس الوزراء في اطار القوانين المتاحة. ونحن في الحقيقة لاننصح في الوقت الراهن بقيام سوق للاوراق المالية الا اذا احكمت الدولة سيطرتها على تلك السوق واحكمت رقابتها عليه واحكمت طرق واجراءات الاكتتاب الاولى والتداول الثانوي, فاذا قامت سوق للاوراق المالية وحدثت فيها تلاعبات ومضاربات من قبل كبار المضاربين المسيطرين على سوق الاسهم فسوف تفقد السوق الثقة بها الى الابد وذلك كما حدث في سوق المناخ في الكويت في اواخر السبعينات وبداية الثمانينات. 5- البنوك سبب رئيسي في الازمة الحالية فالبنوك هي التي اشعلت نار المضاربة في الصيف الماضي واججت لها بمنحها تسهيلات ائتمانية للمضاربين دونما قيود ورقابة تذكر حتى اغرقوا بالديون واصبحوا يعانون. واليوم البنوك تضغط عليهم لتسديد مديونياتهم ناهيك عن الفوائد المصرفية المتراكمة والتي غالبا ما يترك حسابها لأمزجة البنوك ذاتها دونما رقابة تذكر من السلطات الحكومية المختصة. 6- لاشك ان تدهور اسعار النفط والضرب الامريكي البريطاني للعراق الشقيق والضعف العام الذي ساد القرارات الاقتصادية للقمة الخليجية كلها مجتمعة ادت الى نمو الشعور بعدم الثقة والاطمئنان لدى المستثمر. ان السوق بحاجة ماسة تلى حدث اقتصادي هام يعيد اليها الثقة قبل طرح شركات جديدة .