اليورو يدعم التقارب العربي الأوروبي في مجال التجارة والتنمية

يبدأ فى مطلع يناير المقبل العمل بالعملة الاوروبية الموحدة (اليورو) في احدى عشرة دولة أوروبية وكانت المملكة المتحدة والسويد والدانمارك قد اختارت عدم الانضمام الى الوحدة النقدية فى المرحلة الاولى اما اليونان فلم تصبح مؤهلة بعد لهذا الانضمام . وتأتى خطوة استخدام العملة الاوروبية الموحدة تتويجا لجهود متواصلة استمرت اكثر من 30 عاما من اهمها اتفاقية روما عام 1957 التى تم بموجبها انشاء المجموعة الاقتصادية الاوروبية من الدول الست التى كانت قد وقعت فى باريس عام 1951 على اتفاقية للفحم والصلب وهذه الدول هى المانيا وفرنسا وايطاليا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورج. ونصت اتفاقية روما على انشاء سوق اوروبية موحدة على مراحل من خلال ازالة كافة المعوقات التى تعترض سبل التبادل التجارى وحرية انتقال رؤوس الاموال والافراد وتأسيس الشركات. ويأتي انطلاق اليورو بشكل فعلى كعملة رسمية فى مطلع عام 1999 وستشهد هذه المرحلة استكمال انشاء الاتحاد النقدى الاوروبي ويتحدد فيها سعر صرف كل عملة من عملات الدول الاعضاء مقابل اليورو. معايير محددة وكانت معاهدة ماستريخت قد وضعت معايير محددة اتفق على تسميتها بمعايير التقارب يكون استيفاؤها شرطا للانضمام الى الاتحاد النقدى الاوروبى ومن اهمها معدل التضخم بحيث لا يزيد على 5ر1% على متوسط معدلات التضخم فى افضل ثلاثة اقتصادات من بين الدول الاعضاء والمحافظة على مستوى معقول من هامش تقلبات سعر صرف عملتها فى اطار الية سعر الصرف لمدة لا تقل عن عامين قبل التأهل للانضمام ولا يجوز لها ان تقوم بتخفيض سعر الصرف مقابل عملة اى من الدول الاعضاء. كما يتعين على الدول الساعية الى الانضمام الا يتجاوز سعر الفائدة طويل الاجل فيها 2% فوق متوسط اسعار الفائدة فى افضل ثلاثة اقتصادات من دول المجموعة. كما يجب ان تكون نسبة عجز الميزانية العامة الى الناتج المحلى الاجمالى فى حدود 3% الا فى الحالات الاستثنائية والمؤقتة. وينبغى ألا تتجاوز نسبة الدين العام الى الناتج المحلى الاجمالى 60% باستثناء الحالات التى تسجل فيها النسبة نموا ملحوظا نحو الانخفاض وتقترب من النسبة المحددة بسرعة مرضية. وكما يرى الخبراء الاقتصاديون فان الوحدة النقدية الاوروبية قد فرضت نفسها من منطلق ان مزايا السوق الموحدة وثمارها لا يمكن تحقيقها ونيلها الا بعملة موحدة وان كثيرا من الخلافات الاقتصادية والسياسية والثقافية بين دول الاتحاد الاوروبى يمكن تجاوزها. ولعل هذا هو الدافع الذى دعا الاوروبيين الى تبنى صورة الجسر كشعار لليورو ليرمز الى امكانية تجاوز هذه الخلافات الا ان مؤيدى العملة الجديدة ارادوا تأكيد اهميتها فاضافوا للشعار رسما يوحى باحراق هذه الجسور كتعبير عن عدم التراجع عن هذه العملة ومن جهة اخرى فان تسمية العملة الجديدة باسم يورو بدلا من (ايكو) التى تمت الموافقة عليها فى قمة الاتحاد الاوروبى فى مدريد عام 1995 زادت من رصيدها وشعبيتها لانها اكثر شيوعا فى اللغات الاوروبية. وبهذا يكون اليورو اول عملة قارية وعالمية فى تاريخ النقود قياسا بالعملات الرئيسية الاخرى التى تعتبر عملات وطنية تضطلع بدور عالمى وقد ترجم هذا الطبيعة المزدوجة للاقتصاد العالمى المتمثل فى ظاهرتى العولمة والاقلمة. ففى الوقت الذى يتعولم فيه الاقتصاد العالمى عبر تحرير التجارة والخدمات المالية والرساميل العابرة للقارات فانه يتجه نحو تنظيم نفسه حول ثلاثة اقاليم اقتصادية كبرى هى امريكا الشمالية واوروبا الغربية وشرقى أسيا. واهمية هذه الخطوة تكمن فى ان معاملات التجارة الاوروبية وان كان معظمها بين الدول الاوروبية نفسها فقد كانت تتم والى هذا الوقت بالدولار الامريكى لهذا يمكن القول بان اعتماد اليورو سيكون رديفا للدولار فى الوقت الراهن وربما بديلا عنه فى المستقبل المنظور. أهم الفترات وقد باشر البنك المركزى الاوروبى مهامه من مدينة فرانكفورت التى اتخذها مقرا له منذ مطلع يوليو 1998 وهو يقوم بمهامه المحددة فى رسم وتنفيذ السياسة النقدية الموحدة الخاصة بالاتحاد النقدى وتشجيع وتسهيل العمليات التى تتم فى اطار نظام المدفوعات الاوروبى واتخاذ القرارات اليومية الخاصة باسعار الصرف. وتعتبر الفترة الانتقالية الممتدة من يناير 1999 حتى نهاية يونيو عام 2002 اهم فترات الاتحاد الاوروبى ففيها ستتم عملية التحول الى العملة الجديدة باستخدام اليورو الى جانب العملات الوطنية ثم تفقد العملات الوطنية صفتها القانونية اعتبارا من نهاية يونيو 2002. ويؤكد الخبراء الاقتصاديون ان ولادة اليورو حدث يتجاوز فى اهميته ومغزاه الساحة النقدية الى المجالات الاقتصادية والسياسية فهو اعلان عن ظهور قوة اقتصادية جديدة بدأ عصرها فى التشكل والظهور وان المسرح الاقتصادى بات معدا لاستقبال وضع مالى ونقدى جديد. كما انه يدخل معادلة جديدة على مستقبل دول الاتحاد الاحدى عشرة من جهة وعلى علاقتها بشركائها التجاريين والاسواق المالية من جهة اخرى حيث يعتبر مجال المبادلات التجارية العالمىة اكثر المجالات تأثرا بتداول العملة الجديدة سواء على نطاق الاسواق المالية الدولية او نظام المدفوعات او سلة الاحتياطيات والوزن النسبى للعملات المكون لها. ومن الطبيعى ان تتأثر حركة التجارة العالمية فى السلع الرئيسية بالعملة الجديدة لان هذه العملة ستعكس حجم التجارة الدولية لاكبر منطقة تجارية فى العالم استيرادا وتصديرا. ولهذا فان من المتوقع ان تمارس الدول الاوروبية ضغوطا كبيرة لانجاح هذا المشروع وتحويل اوروبا من مجرد كتلة اقتصادية الى اتحاد متكامل الا ان هذا سيتوقف بدوره على مدى نجاح البنك المركزى الاوروبى واستقلاليته فى اتخاذ القرارات. اليورو والعرب اما بالنسبة للدول العربية فسيؤدى استخدام اليورو الى نشوء وضع جديد فى المنطقة بأسرها وسوف ينتج عنه نشوء تقارب اكثر بين اوروبا والعالم العربى فى مجالى التجارة والتنمية الاقتصادية مما سيسفر حتما وبالضرورة عن تقليص نفوذ وهيمنة الدولار الامريكى على العلاقات التجارية والاقتصادية فى العالم العربى وبقية دول العالم. الا أن درجة تأثير اليورو على الاقتصادات العربية تختلف بين بلد واخر وفق الاهمية النسبية للاقتصاد الاوروبى لها فهناك الدول العربية المرتبطة باتفاقات شراكة اقتصادية وسياسية مع الاتحاد الاوروبى. وهناك دول اخرى مرشحة للدخول فى اتفاقات مماثلة فى المستقبل فضلا عن مجموعة ثالثة من الدول العربية التى لم تصل الى مرحلة الشراكة لكنها ترتبط بعلاقات اقتصادية وثيقة مع الاتحاد الاوروبى مثل دول مجلس التعاون الخليجي. وتتمثل اهم مجالات تأثير اليورو فى معاملات الصرف الاجنبى والمعاملات التجارية والاستثمارات وكذلك الصناعة المصرفية بالنسبة للبنوك العربية التي لها تواجد في الدول الاوروبية سواء تلك التي لها فروع لبنوك محلية أو شركات تابعة. كما يؤكد الخبراء الاقتصاديون ضرورة اعادة النظر فى برامج عمل المصارف العربية العاملة فى أوروبا وتأمين ما يتطلبه هذا التواجد من بيئة تنظيمية ومستوى عال من الشفافية والافصاح وقد تجد البنوك العربية منافسة حادة داخل منطقة اليورو لذلك يجب تأهيلها لمثل هذه المنافسة. وعلى صعيد التجارة والاستثمارات يرى المحللون ان الدول العربية التى تربطها اتفاقات شراكة مع الاتحاد الاوروبى ستستفيد من عملية دمج انظمتها المالية المحلية مع اسواق المال الاوروبية وان اعتماد اليورو سيزيد من تدفق رؤوس الاموال والاستثمارات اضافة الى استفادة الشركات العربية المحلية من استقرار اسعار الصرف ومعدلات التضخم واسعار الفائدة. كما أن الاقتصادات العربية ستجني ثمار انخفاض كلفة الواردات الناتجة عن تخفيض معدلات التضخم وتثبيتها مما يعزز فرص ضبط عجز الموازين التجارية مع الاتحاد الاوروبي. أما فيما يتعلق بالصادرات العربية الى دول اليورو فان استقرار اسعار الصرف سيؤدى الى انتعاش الصادرات التى تضررت دوما من وجود عملات ضعيفة داخل الاتحاد الاوروبي. ويؤكد الاقتصاديون اهمية اعادة تسعير السلع العربية الاستراتيجية وفى مقدمتها النفط بعملة غير الدولار تحسبا لاحتمالات انخفاض قيمته بعد ظهور اليورو. ــ وام

طباعة Email
تعليقات

تعليقات