أثار جدلا بين المستوردين: قرار حظر استيراد السلع الا من بلد المنشأ يستهدف حماية مصر من منتجات (الدرجة الثانية)

أصبح القرار 619 الذي أصدره وزير التجارة المصري مؤخرا, حديث الشارع الاقتصادي, وأثار حالة جدل ومناقشات ساخنة بين المستوردين الذين انقسموا ما بين مؤيد ومعارض, كل فريق حسب ما حققه القرار له من مكاسب أو خسائر . ويقضي القرار المثير للجدل بعدم استيراد السلع المعمرة وغير المعمرة الا من بلد المنشأ.. فضلا عن شرط عدم الافراج عن السلع المستوردة الا بشهادة منشأ مصدق عليها من الجهات المختصة تؤكد مطابقتها لقواعد الرقابة النوعية على الواردات. (البيان) استطلعت الآراء حول القرار المشكلة... بداية حشد بعض المستوردين (غير أصحاب الوكلاء) جهودهم لمعارضة القرار عبر تنظيم لقاءات في جمعيات رجال الأعمال وغرفة التجارة الامريكية بالقاهرة منتصف الشهر الجاري وتم رفع مذكرة الى القيادة السياسية تطلب منح فترة انتقالية لتصريف ما لديهم من سلع ومنتجات مخزنة في المناطق الحرة واعتبروا ان شمول القرار المواد الخام ومستلزمات الانتاج يتناقض مع سياسة الدولة الرامية الى تشجيع المشروعات الاستثمارية ويخالف قانون تأسيس مشروعات التخزين في المناطق الحرة رقم 8 لسنة 1997. أما كبار المستوردين فيقفون مع (القرار) ويسوقون مبررات عدة دليلا على ذلك, منها ان للقرار تأثيرا ايجابيا على تنظيم عمليات استيراد السلع وسهولة التحقق من مسؤولية أي من المستوردين في حالة عدم صلاحية السلع المستوردة خصوصا بعد تنوع قاعدة المستوردين وزيادة حجم الواردات الى مصر في غضون الفترة الماضية بواقع 6 مليارات جنيه. ورغم ان المعارضين للقرار يعتبرون تنفيذ القرار يضيع حقوق وامتيازات تبلغ 600 مليون دولار وتؤدي الى تسريح نحو 10 آلاف عامل يعملون في هذا النشاط وان السلع تأتي بشهادة المنشأ من الخارج وكذلك شهادة شحن الى مشروعات التخزين بالمناطق الحرة, يختلف المؤيدون للقرار مع ذلك ويضيفون انه من شأنه ان يقلص حالات التهرب للسلع والمنتجات المستوردة الى داخل البلاد والسلع المجهولة المصدر بعد ان فشل قانون 113 في مكافحة السلع مجهولة المصدر في السوق المصرية وتم إهدار ايرادات رسوم جمركية تفوق 10 مليارات جنيه سنويا, فضلا عن جلب سلع لا تتوافق مع المواصفات القياسية للسوق المحلية المصرية. معارضون وانتقد المعارضون اتخاذ الحكومة حوالي تسعة قرارات تنظيمية خلال 110 أيام حيث اعتبروا ذلك ضاراً بالمصالح المستقرة وتقيد السياسة الاستيرادية الحرة, مشيرين الى ان تلك القرارات التي تعتبر حربا شكلا ومضمونا ستتسبب في موت المناطق الحرة الست في مصر, وتنقل المشروعات التخزينية الى أشدود وبيروت وأزمير وقبرص ومالطة وبنزرت والعقبة وعدن والبحرين ودبي والكويت. وبينما يعترف المعارضون ان المناطق الحرة في مصر تتمتع بمزايا نسبية متعددة عن تلك المناطق الحرة البديلة, الا انها في نظرهم غير مستقرة في ظل اتخاذ مثل تلك القرارات وعالية المخاطر وتديرها عقلية الموظفين لا عقلية (البيزنس) . ويفسر هؤلاء اتخاذ تلك القرارات انها رد فعل متسرع في الظروف التي يمر بها الاقتصاد المحلي والاقتصاديات الوطنية في المنطقة العربية, خاصة انه سيؤدي الى تناقص موارد العملات الحرة بمعدلات متوقعة (3 مليارات دولار). ويقدر عدد المشروعات الصناعية والتخزين في المناطق الحرة التي بدأ في تنفيذها في مصر منذ سنوات الانفتاح في السبعينات بــ 422 مشروعا تصل استثماراتها الى نحو 600 مليون دولار, وفاقت تكاليفها الاستثمارية نحو 5.9 مليارات جنيه وفرت نحو 10 آلاف فرصة عمل جديدة, حيث شهدت نموا نسبته نحو 133% عام 1997 مقارنة بعام 1996. بدائل محدودة ويرى الدكتور علي القريعي رئيس ادارة مصر الفطيم للتجارة ان الشركة طلبت حضوره اجتماعا في دبي لدراسة الموقف في ظل تلك القرارات ودراسة موقف المنطقتين الحرتين اللتين تديرهما مجموعة الفطيم في الاسكندرية وبورسعيد ومصنع الغيارات والبدائل في ذلك تصفية المنطقتين. ويضيف القريعي قائلا: ان البدائل محدودة وربما يمتد الأمر الى اعادة النظر في مجموع الاستثمارات في مصر رغم ان المجموعة من أوائل المستثمرين العرب الذين استجابوا لسياسة الانفتاح الاقتصادي, مندهشا من انه في الوقت الذي تتجه فيه مصر لاستقطاب نحو 3 مليارات دولار سنويا حتى عام 2000 من استثمارات أجنبية تتخذ مثل تلك القرارات التي من شأنها حسب رأيه هو موت المناطق الحرة في مصر. مشروع السيارات أما عبدالفتاح رجب رئيس مجموعة رجب ووكيل فورد في مصر يقول ان الشركة فور علمها بالقرارات الأخيرة قررت تجميد مشروع تجميع السيارات في الاسكندرية وطلبت مراجعة الموقف الاستثماري جملة وتفصيلا. ويشير رجب الى انه من غير الممكن ان يتقبل مجتمع الاعمال في الخارج التلاعب بالمصالح وانحياز القرار الاداري لفئة ضد أخرى, حيث صدر قرار في 19 أغسطس من رئيس مصلحة الجمارك ويقضي بمنح مستوردي السيارات مهلة للافراج عن السيارات الموجودة بالمناطق الحرة حتى نهاية يونيو ,1999 والثاني في 15 سبتمبر لوزير المالية رقم 1432 يقضي بقصر استيراد السيارات على الشركات المتخصصة التي تمتلك مراكز صيانة معتمدة وتقوم باستيراد قطع الغيار اللازمة لهذه السيارات, والثالث في 5 نوفمبر لوزير التجارة رقم 577 يتضمن تعديل القواعد الاستيرادية للسيارات بحيث يكون استيرادها على نفس سنة الموديل وعدل في 7 نوفمبر ليحدد فقط امكانية استيراد السيارات الجديدة من نفس سنة الموديل تحت رقم 580. ويضيف رجب أن القرارات استمرت حتى القرار 619 ثم اعقب ذلك قرارات لوزير المالية بالسماح بالافراج عن البضائع التي وردت الى الموانىء ومخازن المناطق الحرة قبل صدور القرار 619 وبينها السيارات وفي نفس الاتجاه أصدر رئيس هيئة الاستثمار والمناطق الحرة الدكتور ابراهيم فوزي قرارا بمنع تخزين السيارات في المناطق الحرة وأن يتم سداد الرسوم الجمركية عن كل سيارة تصل اليها, رغم أن هناك نظام التربيتيك الذي يسمح للأجانب والعرب والمصريين العاملين بالخارج في دول الخليج اصطحاب سياراتهم نظير 500 و1000 جنيه رسوم تجديد التأشيرة المؤقتة لمدة 3 و6 شهور ويحق لصاحب السيارة ادخالها الى اقرب منطقة حرة في نفس الفترة قبل الاستفادة مرة ثانية من نظام التريبتيك (الافراج المؤقت للسيارة) مشددا ان تلك الاجراءات تضر بمناخ الاستثمار. الدور الرقابي أما وليد توفيق رئيس شركة كيا موتورز فيرى في القرار أنه متوافق تماما مع الدور الرقابي الجديد للدولة للحفاظ على استقرار الأسواق المحلية وعدم ترك السوق عرضة لبعض منتهزي الفرص لاستيراد السلع لمجرد انخفاض أسعارها في الاسواق الخارجية دون مراعاة للاحتياجات الفعلية للسوق المصري. ويؤكد وليد أن ذلك يزيد من حدة الوجود السلعي في السوق المحلية اضافة الى أن أغلب هؤلاء المستوردين يقومون باستيراد هذه السلع دون الاشتراط بمدى مطابقتها للمواصفات السلعية المصرية ويكون المستهلك (الضحية) وعدم وجود أي مراكز صيانة لهذه السلع أو توافر قطع الغيار هما الأمر الذي يضع الوكلاء والموزعين المعتمدين لهذه السلع في موقف حرج مع المستهلك المحلي الذي يطالب بخدمات ما بعد البيع, وهو حقه دون أن يكون على الوكيل الرسمي مسؤولية هذه السلعة. ويقلل وليد من أثر القرار قائلا: إن القرار يشترط فقط أن تكون السلع الستوردة من بلد المنشأ وهو مالا يصعب تحقيقه بالنسبة للمستورين الجادين كما أنه لم يتعرض لاستيراد مستلزمات الانتاج والمواد الخام منتقدا هذا الخوف من القرار. تنظيم الاستيراد ويتفق مصطفى زكي رئيس الشركة المصرية للتجارة الدولية معه ويضيف ان القرار مهم لتنظيم حركة الاستيراد الخارجية للسلع وخاصة الغذائية, ومنع تلاعب بعض المستوردين غير الشرفاء في شهادة المنشأ للسلع (وضرب) فواتير الاستيراد بهدف تحقيق أرباح باهظة على حساب المستهلك المحلي. محذرا من انه لا يمكن ان تتحول مصر الى مخزن للسلع الفاسدة ومجهولة المصدر لأنه من المفترض مع التحرير الكامل للتجارة الخارجية ان تكون جميع المعلومات عن السلع المستوردة واضحة تماما حتى لا تتأثر الصناعة الوطنية من هجوم السلع المستوردة واغراق الأسواق. ويحذر حسن الشافعي عضو مجلس جمعية رجال الاعمال ورئيس لجنة الجمارك سابقا أن القرار يواجه بحزم شديد فوضى عمليات الاستيراد التي دخلها عدد من المستوردين مؤخرا عبر الحصول على قروض من البنوك (بأي ضمانات) . وانتهاز فرصة انخفاض أسعار السلع في أسواق دول جنوب شرق آسيا ومحاولة جلب أكبر كمية من السلع حيث يتم إدخال نسبة محدودة جدا منها السوق المصري بطرق رسمية ومشروعة والاكبر يتم تخزينة بالمناطق الحرة بهدف إعادة تصديره مرة أخرى ليتم تهريبه على مراحل مختلفة لنفس السلعة, ويضيع المستهلك من حيرة أيهما يختار وبالتالي كان لابد من وضع (فرامل) . أمام هذا السيل المتدفق من الواردات التي لا يحتاج اليها السوق المحلي الآن. تصريق المخزون وتختلف معه الدكتورة يمنى الشريدي رئيس جمعية سيدات الاعمال قائلة اننا فوجئنا بأن القرار يطبق على استيراد مستلزمات الطفل من الغذاء ولا يدع لنا فرصة لتصريف مخزوننا السلعي الموجود بالمنطقة الحرة حيث ترفض الجهات المختصة دخول أي سلع استهلاكية مستوردة ومخزنة في المناطق الحرة رغم وجود شهادات لمنشأ السلعة من بلد الاستيراد وهو ما يعني معاملة السلع الموجودة بها, نفس معاملة السلع المستوردة من الخارج سواء من ناحية مطابقتها للمواصفات الفنية وصلاحيتها للاستهلاك ووجود شهادة المنشأ وفقا للقرار الأخير. وتضيف الشريدي قائلة: ان اعتبار المنطقة الحرة داخل مصر منشأ غير المنشأ الاصلي للسلع المستوردة يتعارض جوهريا مع قانون ضمانات وحوافز الاستثمار رقم 8 لعام ,1997 والذي تضمن استثناء المناطق الحرة ووفقا لهذا القانون من المناشىء المغايرة فضلا عن عدم منطقية حظر استيراد سلع مصرية الى داخل مصر, الأمر الذي سيؤثر على ارتفاع اجمالي تكاليف الاستيراد للسلع وعدم تأمين حاجة البلاد منها بسرعة عبر المناطق الحرة. لا تعارض مع الجات أما أحمد جويلي وزير التجارة والتموين المصري فقال ان القرار يتعارض مع اتفاقية الجات من تحرير التجارة حيث انها تشترط وجود شهادة منشأ لأي سلعة, كما أن شهادة الشحن لابد منها لاي سلعة مستوردة والا كيف وصلت الينا فضلا عن أن القرار يسري على السلع والمنتجات الغذائية والاستهلاكية ولذلك من غير المنطقي ان تستغل المناطق الحرة لتخزين سكر وسيارات بل الهدف منها التصدير الى الخارج فهي تحصل على مزايا الاعفاء الضريبي والجمركي مدى الحياة. وأسعار خاصة للطاقة بصرف تجميع المكونات وتخزينها للترانزيت وليس للسوق الداخلي بل لزيادة الصادرات كما أنها لا تضخع للقانون المصري حسب قانون انشائها وبالتالي يستغل رجال الأعمال ذلك في تغيير صلاحية السلع وتزويد شهادات المنشأ وفواتير الاستيراد في غياب رقابة الأجهزة المحلية فضلا عن عدم ملائمة تلك السلع في غالبية الأحيان للمواصفات القياسية المحلية والجودة. ويشدد جويلي على عدم السماح بأن تكون مصر مكانا لقمامة العالم من المنتجات حيث أن بعض الدول من حولنا تقوم بتخزين سلع درجة ثانية (استوك) يتم تخزينها في المناطق الحرة على أن تدخل مهربة على مراحل منبها انه آن الآوان لتنظيم عمليات الاستيراد وفقا للتجارة الدولية. ويشير وزير تجارة مصر نحن لسنا ضد أحد لكن وضع الضوابط لحرية المنافسة لا يتعارض مع القرار فهذا القرار لم يأت بسبب الفجوة في الميزان التجاري فالمنطقي ان مصر تتحول الى الاصلاح وتنفذ مشروعات قومية كبرى تتطلب ادخال آلات ومعدات ومستلزمات انتاج وبالتالي زيادة الواردات في المرحلة القادمة إلا أنها ستساهم في زيادة الدخل القومي والناتج بنسبة تصل 7% سنويا. ويؤكد جويلي ان القرار يهدف إلى ضبط وتنقية السوق المصرية من السلع المغشوشة والرديئة التي يتم اعادة تصديرها بشهادة منشأ من بلد آخر غير الدولة المنتجة بهدف حماية وصيانة حقوق المستهلك المصري بالدرجة الاولى فضلا عن حماية الصناعة الوطنية والاقتصاد القومي. ويوضح جويلي ان القرار مقصور فقط على السلع الاستهلاكية واستثناء المدينة الحرة في بورسعيد نظرا لطبيعتها كما أن لها قانونا خاصا بها وأن كان ينطبق على السلع الاستهلاكية المستوردة المخزونة في المنطقة الحرة بميناء بورسعيد مشيرا الى أن هذه المنطقة تحولت الى منطقة تخزين للسلع الاستراتيجية المستوردة دون اعادة تصديرها بهدف دخولها البلاد مما يضر بالمنتج المصري الذي يتحمل أعباء مالية وضريبية عدة غير نظيرتها الموجودة في المناطق الحرة. القاهرة ــ حسين عبدالهادي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات