كان عام 1997 سيئا بالنسبة للاقتصاديات الآسيوية كما ان العام الحالي لم يكن بالنسبة لهم ولا بالنسبة لدول امريكا اللاتينية افضل حالا. اما بالنسبة للعام القادم, فبماذا تشير الدلائل الاحصائية وهل سيكون عاما للانتعاش الاقتصادي سواء في آسيا أو في اوروبا أو في امريكا الشمالية ؟ هناك اجابات متنقاضة لهذا السؤال.. وذلك لايدعوني للدهشة, خاصة وان اقتصاديات الدول ليست كتلك العلوم التجريبية الدقيقة. وفي هذه اللحظة الحساسة من التاريخ, فان المستقبل تحدق به الكثير من سحب عدم الثقة. ويشعر خبراء الاقتصاد بالارتياح بان اسعار الاسهم عادت لمعدلاتها اواخر 1998 بعيدا عن انخفاضات الخريف والصيف الماضيين. كما سجلت مؤشرات وول ستريت اعلى معدلات لها. ونفس الشيء ينطبق على الاسواق الاوروبية. والاكثر من ذلك ان البنك المركزي الامريكي انضم لنظرائه من البنوك المركزية في اوروبا في مسعاها لتخفيض اسعار الفائدة وتوسيع مدى الائتمان, ولم يكن السبب وراء اطلاق هذه المبادرات هو الشعور بركود الاسواق هناك, وانما كان ذلك من قبيل اجراءات الامان التي اتخذت لمواجهة الانخفاضات القادمة من آسيا والأسواق الناشئة الاخرى. والتاريخ الاقتصادي يحوي العديد من قصص نجاح بعض البنوك المركزية في التعامل مع الانخفاضات والزيادات في دورات الاعمال من خلال اتخاذ سياسات نقدية سليمة. و يتنفس الخبراء المصرفيون الصعداء عندما يرون مشكلة التضخم في نهاية القرن العشرين وقد دخلت حالة من الهدوء ذلك ان اسعار الطاقة واسعار السلع الاساسية الاخرى في معدلاتها المتدنية حاليا نتيجة لتوافرها الكبير بالاسواق. اما في السبعينات فقد كان الامر مختلفا بعد حدوث صدمة الاوبك وماتلاها من صدمات, بيد انني لا اتوقع حدوث سيناريو شديد التفاؤل بالنسبة للعام القادم, فمن غير المحتمل ان ترتفع اسعار الاسهم في وقت ينخفض فيه معدل نمو الارباح. ولعل التحدي الذي يواجهه آلان جرينسبان محافظ البنك المركزي الامريكي ومحافظو البنوك المركزية الاخرى هو في تأسيس سياسات سليمة تؤدي الى استقرار الاموال غير المنقولة واسعار الاسهم والسندات. وانا من المؤمنين مع الغالبية العظمى من الخبراء بان معدلات النمو ستشهد انخفاضا في الولايات المتحدة العام القادم, الا ان الخطورة هنا تتمثل في ان زيادة هذا الانخفاض في الولايات المتحدة واوروبا من شأنه ان يتسبب في احداث حالة ركود على مستوى الاقتصاد العالمي. اما بالنسبة لأحوال الاقتصاد الياباني, فإن الخبراء يتوقعون ان يشهد حالة اخرى من الانخفاض العام القادم. وإذا حدث ولم يكن النمو سلبيا, فان معدلاته الايجابية ستكون طفيفة للغاية. ولذلك فان بقية الجيران الآسيويين لايمكن ان يعتمدوا على اليابان باعتبارها القاطرة المحركة والدافعة للعجلة الاقتصادية في المنطقة. واتوقع ان تعود الصين ــ بالنظر لمساحتها وعدد سكانها ــ لتكون بمثابة المنقذ والمخلص لاقتصاديات دول المنطقة. واذا انتقالنا غربا فسنجد ان يناير المقبل هو موعد تطبيق العملة الاوروبية الموحدة, حيث ستحل مكان العملات المحلية, المارك والفرنك والليرة والجيلدر والبيزتاس في نحو 12 دولة اوروبية قيادية. وفي الوقت ذاته فإن البنوك المركزية في 11 دولة اوروبية, بنك فرنسا والبوندسبنك, وبنك اسبانيا تنسحب حاليا وفي نفس وقت كتابتي لهذه المقالة, من الوجود تدريجيا. فهل ستؤدي البداية الطازجة لليورو الى انتعاش اقتصادي في اوروبا؟ ربما يبدو ذلك تفكيرا رومانسيا الا انه لا يملك احد ان يخبرنا بما ستؤول اليه الامور مستقبلا على وجه الدقة واليقين. واعتقادي الخاص هو ان اليورو ستتمكن بعد مرحلة انتقالية من الاضطرابات من تحقيق بعض الانجازات بالنسبة لعمليات التحويل. وسوف تستفيد البلدان التي تعاني من البطالة كفرنسا والمانيا من التخطيط الاقتصادي الجديد لأوروبا كمنطقة ودولة واحدة, واتوقع ان يكون الاداء الاقتصادي في اوروبا افضل بكثير من نظيره في الولايات المتحدة. واذا خرجنا من دائرة الاقتصاد, فسنجد ان سحب السياسة تزداد قتامة في افريقيا ودول امريكا اللاتينية التي تئن من مصائب وكوارث طبيعية وبشرية في نفس الوقت, حيث يمكن لأي ديكتاتور في الشرق الاوسط او في كوريا الشمالية ان يحتجز مواطني دولة بأكملها كرهائن, وتستطيع حاليا بعض الدول ان تحوز اسلحة الدمار الشامل وتفتقر الدول العظمى في تأييد بقية دول العالم للحد من هذه الاخطار. والسؤال الان هل تجعلنا التطورات الاخيرة في العراق ويوغسلافيا وكوريا الشمالية والسودان والصومال اكثر تشاؤما بالنسبة لاداء الاقتصاد العالمي في السنوات القليلة القادمة؟ غير ان قواعد اللعبة باتت تتحدد ملامحها من خلال التطورات التقنية التكنولوجية. واصبحنا نجد انفسنا الان عندما نريد استشراف سيناريو المستقبل الاقتصادي خلال الفترة من 1999 الى 2003 في حاجة لخبراء مثل جون مينارد أكثر من حاجتنا لخبراء من امثال هنري كيسنجر.