آفاق اقتصادية: هل تعتبر الهدايا والهبات من أموال الغلول؟بقلم- د. محمد ابراهيم الرميثي

قال تعالى في سورة آل عمران الآية 161:(وما كان لنبي ان يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون). والغل معناه الخيانة . والخيانة هنا تكون في الأموال التي ائتمن عليها الإنسان. ويعرف مال الغلول بأنه هو كل مال يكتسبه الولاة, والعمال, والوزراء, وكافة موظفي الدولة (سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص أو المؤسسات شبه الحكومية أو الأهلية أو غير ذلك) بكافة درجاتهم وفئاتهم ومستوياتهم الوظيفية, بطرق غير مشروعة, سواء أحصلوا عليه من أموال الدولة, أم من أموال الناس. فإنهم لا يحل لهم إلا ما تفرضه لهم الدولة أو الجهة التي يعملون لديها من راتب أو معاش أو مكافآت أو تعويضات لقاء ما يؤدونه من عمل. وكل مال تم اكتسابه بحكم قوة السلطة ذاتها أو بالقوة والقهر سواء أكان بصورة رشوة صريحة وظاهرة, أم رشوة مبطنة أم بصورة هدايا وهبات, أم بصورة سمسرة وعمولة, أم بصورة اختلاسات بطرق الغش والتزوير والاستغفال, أو غير ذلك من الصور الحديثة والمعاصرة المتبعة في خيانة الأمانة كل ذلك الكسب يعتبر غلولا وكسبا حراما, ومالاً غير مملوك, لأنه كسب بطرق غير مشروعة. وبالتالي وجب علي السلطات الأمنية والقضائية التي تراقب جرائم المال ان ترد مثل تلك الأموال إلى أصحابها إذا عرفوا وتم التثبت من شخصياتهم يقينا, وإلا وجبت مصادرة مثل تلك الأموال ووضعها في بيت مال المسلمين (أي في المالية العامة للدولة). وفي الآية الكريمة نرى تنزيها لكافة الأنبياء والمرسلين من الغل والخيانة بشتى صورها وأشكالها سواء أكانت بالمال أم بغير ذلك ثم تحريما تصريحا للغل بكافة صوره وأشكاله. وفي زمننا المعاصر نلاحظ ان الغل منتشر في مجتمعاتنا الإسلامية بشكل كبير جدا ويأخذ صورا وأشكالا عديدة على كافة المستويات وفي شتى المجالات. ومما يؤسف له أننا نلاحظ ان نسبة الغل تقل في المجتمعات الصناعية المتقدمة إلى درجة أنها تنعدم تماما في بعض المجتمعات وفي بعض المؤسسات داخل المجتمع الواحد. أما في عالمنا الإسلامي فنجد العكس تماما فهي تكاد تكون موجودة في كافة المجتمعات الإسلامية وبصورة متفاوتة حيث تزداد في بعضها وتقل في أخرى. ويرجع المحللون تفاقم هذه الظاهرة وتأصلها إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها المجتمعات الإسلامية, وعلى الرغم من ان هذا التحليل قد يكون صحيحا إلى حد ما إلا انه لا يصلح أبدا ان يحتج به كحجة لتبرير تأصل هذه الظاهرة السيئة وتفاقمها حيث ان الدول الصناعية الغربية عندما أدركت ان هذه الظاهرة آفة وفساد اداري ومالي سارعت بوضع التشريعات اللازمة للقضاء عليها ولم تكتف بالتشريعات فحسب بل وضعت النظم والآليات الكفيلة بتطبيق تلك التشريعات تطبيقا دقيقا يضمن القضاء على تلك الآفة الادارية قضاء مبرما ويخلص الاقتصادي من شرورها وآثارها السيئة التي من الممكن ان تخلفها. وتعتبر الهدايا والهبات دون أدنى شك من أموال الغلول, وقد ورد النهي الصريح من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قبولها, حيث روى البخاري ومسلم والإمام أحمد (رحمهم الله جميعا) عن أبي حميد الساعدي قال: (استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من بني أسد, يقال له ابن اللتبية على الصدقة, فجاء فقال: هذا لكم, وهذا أهدي إليّ. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه, ثم قال: (ما بال العامل نبعثه على عمل فيأتي فيقول: هذا لكم, وهذا أهدي إليَّ, أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحدكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته, إذ كان بعيرا له رغاء, أو بقرة لها خوار, أو شاه تيعر) , ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي ابطيه, ثم قال: (اللهم هل بلغت؟, اللهم هل بلغت؟, الله هل بلغت؟) . والحقيقة ان هذا التشديد ورد في تحريم مال الغلول في الهدايا والهبات فما بالك بالصور الأخرى التي ذكرناها من صور مال الغلول والتي هي أشد وأعتى. وقد روي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه إذا اشتبه في وال أو عامل صادر منه أمواله التي تزيد عن رزقه المقدر له بالحلال أو قاسمه عليها, وقد كان يحصي أموال الولاة والعمال قبل ان يوليهم وبعد توليتهم فإن وجد عندهم مالا زائدا أو حصلت عنده شبهة في ذلك صادر أموالهم أو قاسمهم, ويضع ما يأخذه منهم في بيت مال المسلمين. بعد هذا العرض الموجز لهذه القضية فإننا نحمل الدولة (ممثلة بالحكومة) المسؤولية الأكبر في انتشار مثل هذه الظاهرة وتفاقمها, وبالتالي فلابد من الدراسة العلمية الجادة لهذه الآفة التي تعصف بالاقتصادي وتفقد الناس الثقة والمصداقية في المعاملات والبحث الجاد عن الحلول العملية الممكنة لها مستفيدين من تجارب الدول الأخرى في ذلك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات