تشهد صناعة تكرير البترول في العالم العربي تطورا كبيرا في الوقت الراهن من أجل تلبية حاجات الطلب المتزايد في السوق المحلية والحفاظ على أسواقها التصديرية في الخارج . وأكدت دراسة اقتصادية حديثة أعدها نور الدين فراج الرئيس التنفيذي للشركة العربية للاستثمارات البترولية (أبيكورب) نشرتها مجلة (النفط والتعاون العربي) في عددها الأخير تحت عنوان (تمويل مشاريع النفط والغاز في الدول العربية) ان صناعة التكرير العربية واصلت تطورها على صعيدي طاقة التكرير الابتدائىة ودرجة التعقيد (التقدم التقني). وأشارت الدراسة الى ان الدول العربية تمتلك حاليا 61 مصفاة تقدر طاقتها التصميمية بحوالي 6 ملايين برميل يوميا وتقوم هذه المصافي بتأمين ما يقرب من كامل الطلب العربي الاجمالي على المشتقات النفطية (حوالي 3.34 ملايين برميل يوميا), بالاضافة الى تصدير مليوني برميل يوميا الى الاسواق الخارجية. وفيما يخص اجمالي الطاقات التصميمية للتكرير فقد ارتفعت من 3.76 ملايين برميل يوميا عام 1980 إلى 6 ملايين برميل يوميا عام 1996 أي بزيادة قدرها 60%, كما حدث تطور ملحوظ في المصافي العربية وفي الطاقات القائمة للعمليات التحويلية وعمليات المعالجة بالهيدروجين وتهذيب الجازولين بالعوامل الحفازة الا ان اغلبية المصافي العربية لا تزال يغلب عليها الطابع التقني البسيط وانخفاض طاقتها التحويلية. وبالرغم من ازدياد الطاقة التصميمية لتكرير النفط في الدول العربية لا تزال نسبتها الى الطاقة العالمية متدنية, اذ لا تزيد على 8% ولا يزال العالم العربي يكرر أقل من 30% من انتاجه النفطي بحسب أرقام 1996م. المشتقات وذكرت الدراسة فيما يخص استهلاك المشتقات النفطية في الدول العربية فقد زاد اجمالي الاستهلاك وبشكل مضطرد من 2881 ألف برميل يوميا في 1992 الى 3342 ألف برميل يوميا في عام 1996, وبمتوسط سنوي قدره 3.8%. وبافتراض تشغيل المصافي العربية بمعدل استخدام متوسط يبلغ 90% من الطاقة التصميمية (وهو متوسط معدلات التشغيل لمعظم المصافي العربية) فإن الانتاج من المشتقات النفطية يبلغ 5390 ألف برميل يوميا في عام 1996. ويتضح بشكل عام ان المنطقة العربية تتمتع بفائض كبير من الطاقة الانتاجية من المنتجات المكررة يتراوح ما بين 2 الى 2.5 مليون برميل يوميا, الا ان هذه الصورة سرعان ما تتغير اذ اخذ كل منتج على حدة من حيث درجة الاكتفاء الذاتي. وبتفحص التوقعات المستقبلية لانتاج واستهلاك المشتقات النفطية يمكن الخروج بالاستنتاجات التالية: ــ وجود فائض في جميع المشتقات النفطية في الوقت الحاضر على مستوى مجموعة الدول العربية فيما عدا زيت البترول المسال (ال.بي.جي) وزيت التزييت والأسفلت والمشار اليها بزيوت أخرى في الجدول. ــ يبدأ ظهور عجز في انتاج الجازولين عام 2000, زيت الغاز عام 2005 والكيروسين ووقود النفاثات عام 2010. ــ تناقص كميات استهلاك زيت الوقود الثقيل مما يؤدي الى تزايد الكميات الفائضة منه, والتي من المتوقع ان تتجاوز 54 مليون طن عام 2000 وتتناقص بعدها قليلا لتصل الى 50 مليون طن في عام 2000. ــ يتوقع ان يتناقص حجم الفوائض من المشتقات مع مرور الوقت بسبب نمو الاستهلاك بمعدلات تفوق الزيادة في الانتاج حيث ستنكمش الفوائض بأكثر من 86% في نهاية عام 2010. الوضع الراهن لصناعة التكرير العربية يدعو إلى أهمية السعي إلى تغيير تقنيات الانتاج الحالية لكي تتلاءم المنتجات النفطية مع متطلبات وضوابط الحفاظ على البيئة والتي تتطلب انتاج مشتقات نفطية بمواصفات ذات جودة عالية مثل الجازولين الخالي من الرصاص وخفض نسبة الكبريت في وقود الديزل. كذلك تبرز ضرورة زيادة الاستثمارات في مجال صناعة التكرير في الداخل والخارج بهدف زيادة القيمة المضافة وتغطية الطلبين المحلي والعالمي المتزايدين على المشتقات المتكررة. وتدعو الحاجة أيضا إلى التوسع في طاقات وحدات العمليات التحويلية بالعوامل الحفازة لانتاج المزيد من المشتقات الخفيفة (الجازولين) على حساب زيت الوقود الثقيل والنافثا وذلك لسد العجز الحالي والمتوقع في السوق المحلية لبعض الدول العربية وكذلك التوسع في الطاقات الانتاجية لزيوت التزييت الأساسية. مشروعات التكرير العربية وتضم قائمة المشروعات التي تحت الانشاء أو في طريقها للتنفيذ خلال فترة السنوات الخمس المقبلة ما يقارب من 21 مشروعا تشمل اضافة طاقات تكرير جديدة تبلغ 590 ألف برميل يوميا خلال انشاء 7 مصافي جديدة وتوسعة طاقات قائمة في 4 مصافي يصل حجمها الى 250 ألف برميل, كما تشمل القائمة 8 مشاريع لتطوير وتحديث التقنيات الانتاجية وإنشاء مصنعين لانتاج الزيوت للاستهلاك المحلي. وأوضحت الدراسة انه من المتوقع اذا تم تنفيذ هذه المشاريع بأكملها ان تزيد الطاقة التصميمية العربية من 6 ملايين برميل يوميا في عام 1996 الى 6.5 ملايين برميل في نهاية عام 2000 ومن ثم الى 6.8 ملايين برميل في نهاية عام 2003, وبذلك ستزيد الطاقة الاجمالية بحوالي 13% خلال السنوات الخمس المقبلة. يضاف إلى ذلك تطوير تقنيات الانتاج في 8 مصافي عربية تشمل اضافة وحدات التكسير بالهيدروجين والتكسير بالعامل الحفاز المائع وكذلك وحدات للتهذيب بالعامل الحفاز. وتجدر الاشارة هنا الى انه تقام بعض المشاريع التكريرية الجديدة المزمع بناؤها في خارج المنطقة العربية من خلال اقامة مشروعات مشتركة مع أطراف أجنبية وذلك لتأمين تسويق النفط الخام وزيادة حصة الصادرات من النفط العربي المكرر. وترجح (أبيكورب) ان خمسة مشاريع عربية ــ أجنبية مشتركة بطاقة اجمالية قدرها 770 ألف برميل يوميا ستقام في آسيا خلال الفترة قيد البحث, منها اثنان في الصين, واثنان في الهند وواحد في باكستان. وتقدر التكلفة الاستثمارية لهذه المشاريع مشتركة بحوالي 6.7 مليارات دولار. وبالاستناد الى قاعدة المعلومات المتوفرة لدى ابيكورب عن مشروعات التكرير المعلنة في المنطقة العربية تبلغ الاستثمارات الاجمالية المطلوبة لتنفيذ هذه المشاريع حوالي 4.13 مليار دولار أمريكي, تتركز معظمها في السعودية 44% والامارات 19% ومصر 15%, أي ان هذه الدولة الثلاث تمثل حوالي 78% من مجموع الاستثمارات المعلنة. ومن المتوقع, بعد استبعاد الكلفة الاستثمارية للمشاريع قيد الانشاء, ان تصل المتطلبات المالية للمشاريع الجديدة المتوقع تنفيذها في المنطقة العربية الى حوالي 7.9 مليارات دولار أمريكي منها 5.4 مليارات دولار (46%) لمشاريع المصافي المخصصة للتصدير. أما بخصوص المشاريع المشتركة التي ستقام خارج المنطقة العربية فقدرت تكاليفها الاستثمارية, كما أشير سابقا, بحوالي 7.6 مليارات دولار أمريكي, وعلى افتراض ان نسبة المشاركة العربية 40% من رأس المال فإن الجانب العربي سيلتزم بتقديم ما يقارب 7.2 مليار دولار. الاحتياجات الاستثمارية وبالنسبة لصناعة البتروكيماويات قالت الدراسة ان هذه الصناعة حققت لنفسها مكانا راسخا ومهما في الأسواق العالمية ساعدتها في ذلك قدرتها التنافسية المبنية على وفرة اللقائم وانخفاض تكلفة انتاجها بالاضافة الى استخدام التقنيات الانتاجية المتطورة وذات الحجم الاقتصادي الكبير. وبالرغم من ان التقنيات الانتاجية المتطورة وذات الحجم الاقتصادي الكبير. وبالرغم من ان الانطلاقة الحقيقية لصناعة البتروكيماويات العربية بدأت في منتصف الثمانينات, الا انها تطورت ونمت بمعدل قياسي وانجزت في أقل من عقدين من الزمن قفزة كبيرة ولايزال أمام هذه الصناعة مجال رحب وواسع لزيادة طاقاتها الانتاجية وتنويع منتجاتها وزيادة حصتها من الانتاج العالمي لتحقيق قيمة مضافة أكبر من الثروة الهيدروكربونية العربية. تعتمد صناعة البتروكيماويات العربية بشكل أساسي على الغاز الطبيعي كمصدر للقائم حيث تصل نسبة الاعتماد الى 85%, ونتيجة لذلك توجد حالة عدم توازن في انتاج البتروكيماويات الاساسية, حيث سيطرت اللقائم المشتقة من الغاز الجاف (الميثانول والاثيلين) على مجمل انتاج البتروكيماويات وأصبحت الأكثر تطورا وذلك على حساب الاوليفينات الاخرى والعطريات. ومن هنا أصبحت هناك حاجة لاصلاح حالة عدم التوازن هذه عن طريق تطوير وانشاء السلاسل الانتاجية الاخرى بالاعتماد على السوائل البترولية كمصدر للقائم, وقد تم بالفعل اعتماد هذا التوجه في بعض المشاريع حيث استخدمت وحدات تكسير حرارية مرنة قابلة لاستخدام السوائل البترولية, كما هي الحال في مشروعي بتروكيما وابن رشد في المملكة العربية السعودية.