خبير اقتصادي بمركز الدراسات الأولية والاستراتيجية في واشنطن: العديد من دول أوبك لن تلتزم بتخفيض الانتاج

صرح الدكتور علم الهدى حماد كبير خبراء بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن ان شركات النفط العالمية الكبرى مثل اكسون وموبيل وشل وبي بي وتوتال لها الدور الاكبر في التأثير على الأسعار العالمية للنفط , مشيرا الى أن استمرار انتاج النفط بمعدلاته الحالية سيؤدي الى مزيد من انخفاض أسعاره في السوق العالمية. وقال الخبير الاقتصادي العالمي والاستاذ بجامعة جورج واشنطن الامريكية في حوار خاص مع (البيان) ان فشل اجتماع منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك) والذي عقد مؤخرا لم يكن مفاجأة خاصة وأن دول أوبك كانت تعرف مقدما بأن بعضها لن يلتزم بالحصص التي يتم الاتفاق عليها بالاضافة أن دولا أخرى غير أعضاء في أوبك لن تلتزم أساسا بهذه الحصص وليس لها أن تلتزم بها, وأضاف أن أي قرار بتخفيض انتاج الدول الاعضاء لن يكون لصالح دول أوبك بل وستبدو وكأنها تقتص من نفسها على حسابها. وأوضح الخبير بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية انه ليس غريبا أن تقوم عديد من الدول المنتجة للنفط ببيع خامها بأسعار أقل من سعر السوق بسبب الازمات الاقتصادية الحادة التي تواجهها, مما يجعلها تعتقد أن أي عائد من بيع النفط سيساعد على حل ولو جزء من مشاكلها الاقتصادية الداخلية. وأشار الدكتور علم الهدى حماد الى ان الأزمات المالية المتلاحقة التي عصفت بالعديد من دول آسيا ــ وبصفة خاصة اليابان ــ أضعف قدرة هذه الدول على الاستمرار في الانتاج الصناعي بالمستويات نفسها السابقة لنشوب الأزمة, وذلك أدى في النهاية الى انخفاض طلبها على استيراد النفط. وفيمايلي نص الحوار: تفسير كيف تفسر هذا الانهيار الحاد لأسعار النفط في الاسواق العالمية؟ والى اي مدى سيستمر هذا الهبوط في الأسعار؟ ــ لاشك أن النظرية الاقتصادية المعروفة بالعرض والطلب ــ مع اختلاف العناصر السياسية المؤثرة ــ هي الأساس في تحوير المناقشة حول سعر النفط والسوق العالمية, والعلاقة واضحة فإذا زاد المعروض عن المطلوب انخفض السعر, واذا زاد المطلوب عن المعروض ارتفع السعر, فمع تصاعد الأزمة التي تواجهها الدول المنتجة للنفط متمثلة في التدهور المستمر في سعره, تتلاحق الاحداث التي لا تنبىء عن أي خير في المستقبل القريب. وما يلاحظ من تفكك في قدرة منظمة الدول المصدرة للنفط ليس الا جزء صغير من المعادلة الصعبة التي يقع على حافتيها الانتاج والاستهلاك. فطالما استمر انتاج النفط بالصورة الحالية ستستمر أسعاره في الهبوط. وعندما يصل سعر بيع الخام عند حد معين ستتوقف عنده بعض الدول التي لا تجد مربحا من الاستمرار في انتاج النفط بل وستغلق آباره ــ كما حدث في أمريكا, بينما ستستمر بعض الدول الاخرى والتي يمكنها تحقيق هامش برحية ــ ولو ضئيل ــ في انتاج الخام الى ان يصل السعر الى مستوى متدن جدا يصبح الانتاج عنده مستحيلا, وحيث أنه من غير المتوقع ــ بل من المستحيل ــ ان تستغني الدول المستهلكة للنفط عن هذه السلعة الاساسية التي تدور عجلات انتاجها وتحقق رفاهية شعوبها, فانها لن تتوقف عن استهلاك النفط واستيراده, وستستمر في دفع ما يمليه سعر السوق بشكل سيضمن حتما استمرار الدول المنتجة للنفط في ضخ نفطها أكان سعره منخفضا أو عاليا ـ وهو امر نسبي, الا ان الدول المستهلكة للنفط تتمتع حاليا بما يصحب انخفاض سعر النفط من نمو في موازناتها, هكذا فان السوق الحالية هي سوق المستهلك, إذ ان المشتري هو صاحب الكلمة الاخيرة. أزمات متداخلة لكن مع نزول سعر برميل النفط إلى اقل من عشرة دولارات, ما هي الارباح التي من الممكن ان تجنيها الدول المنتجة للنفط؟ ــ ليس غريبا ان تقوم عديد من الدول المنتجة للنفط ببيع خامها بسعر اقل حتى من سعر السوق ــ بخصم قد يستغرب البعض من تدنيه إلى تلك الحدود, فهنالك العديد من تلك الدول التي تحصرها ازمة ــ بل ازمات ــ لا تعرف منها فكاكا, ومن ثم فانها تعتقد بأن اي محصلة من العائد النفطي مهما كانت قليلة ستساعد على حل ولو بعض من مشاكلها, وهو ما لم ولن يحدث, فازمات تلك الدول متداخلة ومتكاملة مع مشاكل ليس لها حل الا بالاصلاح الكامل والاجمالي, ومن الملاحظ ان عديد من الدول ليس لها اي التزام بقرارات منظمة الدول المصدرة للنفط, أكانت عضوا بها أو لم تكن, (وكل يغني على ليلاه) , ومثال ذلك واضح فبينما التزمت في الماضي الدول العربية الاعضاء خرجت دول امريكا اللاتينية وضربت بالقرارات عرض الحاط, اضافة إلى ذلك لا توجد اي سلطة تجبر اي دولة على الالتزام, والسائد حاليا هو سياسة اكل العيش, اي انتاج ما يمكن انتاجه وبيعه بأي سعر يضمن الاستمرار في وضع الخبز على المائدة, وعجب ان تجد بعض الدول التي تمرغت في السبعينات في بحور العطر والالماس عدم القدرة على دفع التزاماتها وسد مديونياتها. وما هو تفسيرك لدور الشركات الكبرى العالمية في هبوط اسعار النفط بالاسواق العالمية؟ ــ هنالك جانب هام في معادلة الانتاج, الا وهو دور شركات تكرير النفط وتسويقه, فالسيارات والطائرات والسفن تدور وتتحرك باستخدام انواع مختلفة من النفط المكرر والمصفى, كما ان هذا النفط المصفى هو الاساس في تغذية مولدات الكهرباء التي تغذي المنازل والمدارس والمصانع اكان للإضاءة أو التدفئة, والتي تؤثر على كل انسان, هكذا وفي واقع الامر فان الشركات العالمية الكبرى مثل اكسون وموبيل وشل وبي بي وتوتال والتي تمتلك معامل التكرير والمصافي لها الدور الاكبر في التأثير على السوق وعلى الاسعار, فلما كان من المستحيل استهلاك النفط الخام الا بعد تحويله إلى سلعة صالحة للاستخدام في توليد الطاقة, فلن يكون للدول المنتجة للنفط الخام الدور الاهم مثل دور شركات تكرير وتصفية النفط. المصادر البديلة ظهرت مؤخرا تقارير بحثية تدعو إلى ضرورة استخدام مصادر جديدة للطاقة كبداية لأفول حقبة النفط, فإلى اي مدى يتجه العالم بحثا عن بديل اخر رخيص التكلفة ومتوافق مع شروط المحافظة على البيئة؟ ــ توجد محاولات عديدة ومستمرة في ايجاد مصادر بديلة لتوليد الطاقة للاستغناء عن النفط وقد بدأ تصعيدها بعد اكتوبر 1973 وظهور النفط كسلاح استخدمه العرب ضد الغرب, الا ان هذه المحاولات بين مد وجزر, تظهر وتختفي تبعا لظهور الازمات العالمية وارتفاع سعر النفط, ومن ثم, تغيب عن الاذهان فكرة الطاقة البديلة كلما توافر النفط بكثرة وانخفض سعره, ولا يوجد حاليا ما يستدعي الدول الصناعية المستهلكة للنفط ان تتحول عنه, إذ يوفر هذا السعر عليها الكثير من الاموال التي ستوجهها في زيادة حجم استثماراتها وتطوير بنيتها التحتية وتحسين اداء مصانعها, وطبيعي ان تكون النتيجة هي رفع مستوى رفاهية شعوبها. اما جانب الاستهلاك, فقد شاهد انخفاضا في المطلوب على النفط خاصة في دول الغرب وبصفة خاصة الولايات المتحدة الامريكية إذ تمتعت بطقس دافىء عما عليه عادة شهور الشتاء, ساعد على انخفاض ملحوظ في الطلب على التدفئة, اضافة إلى ذلك فان الضربات المتلاحقة لاقتصاد دول شرق آسيا وخاصة اليابان, وعدم قدرتها على الاستمرار في نموها, بل وانحسار قوتها بشكل جعل من اسطورة نمور اسيا ماضيا لن يعود, اضعف من قدرتها على الاستمرار في الانتاج الصناعي على المستوى السابق, ومن ثم انخفض طلبها على النفط. لاشك ان التعامل مع هذا الموضوع ليس بالسهولة لما يحفل به من تعقيدات ومؤثرات قد لا تظهر الا بعد البحث المستفيض, الا ان هنالك امورا واضحة للعيان, فلم تكن بالمفاجأة ان يفشل اجتماع منطقة الدول المنتجة للنفط, فكيف توافق تلك الدول بمشاكلها ومشاربها المختلفة على تخفيض انتاجها بينما تعرف مقدما بان بعضها لن يلتزم كما هو مثبت من قبل؟ ومن المعروف ايضا بان هناك دولا ليست باعضاء لن تلتزم اساسا وليس لها ان تلتزم, ومن ثم فان اي قرار بتخفيض انتاج الدول الاعضاء لن يكون لصالحها بل وكأنها تقتص من نفسها على حسابها, لم يكن منطقيا ان تحاول تلك الدول ان تكرر الاحتكار الذي تمتعت به في السبعينات, فقد دخلت إلى حيز القرارات العالمية متغيرات جديدة ومؤثرات لم يسبق لها مثيل, ولن يكون لمنظمة الدول المصدرة للنفط أي دور, فانطلاقا من فردية الدول المنتجة واستجابة لظروف كل منها, فان كلا منها لن يتوقف عن زيادة الانتاج بالقدر الذي يسمح بأدني حد من دفع الالتزامات وسد العجز في الموازنات. حوار ــ طارق فتحي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات