تعتبر البورصة في الاقتصاديات المعاصرة عصب الحياة, فالاقتصاد بدون بورصة كالانسان المشلول ويرجع السبب في ذلك الى أهمية ودور البورصة في الاقتصاد فهي جزء لا يتجزأ من النظام النقدي والمالي والمصرفي , وهي العصب المحرك لذلك النظام فالبورصة هي السوق الذي يلتقي فيه العرض مع الطلب للكثير من المنتجات السلعية والاسهم والسندات والأوراق المالية والذهب والفضة والمعادن الثمينة والنقود, ومن هذا المنطلق تعتبر البورصة هي المحرك للسيولة النقدية عن طريق حركات التداول التي تحدث فيها. ولو تمعنا فيما حدث في سوق الاسهم المحلية في الصيف الماضي من مضاربات لوجدنا ان نقطة الانطلاق كانت هي الاعلان الرسمي في التلفزيون عن مشروع المرسى الغربي الذي تخطط شركة اعمار لإنشائه فعندما شاهدت الجماهير ذلك المشروع في التلفزيون اقبلت بشراهة الى طلب اسهم اعمار وذلك انطلاقاً من ثقتها الزائدة في حكومة دبي التي تمتلك حصة كبيرة في تأسيس هذه الشركة فبدأت المضاربة على اسهم الشركة التي سحبت معها كافة اسهم الشركات الاخرى وبدرجات متفاوتة في الارتفاع وذلك اعتقاداً من المستثمرين بأن ذلك المشروع سوف يخلق رواجاً اقتصادياً تستفيد منه كافة الشركات والفعاليات الاقتصادية وذلك نظراً لضخامة حجم المشروع المعلن وثقة الناس بمكانة دبي العالمية في مجال المال والاعمال. واعتقاداً كذلك من الناس ان بعض الشركات المساهمة سوف تستثمر في ذلك المشروع نفسه بشكل مباشر. ومن العوامل التي اشعلت حدة المضاربات كذلك دخول بعض الجاليات الأجنبية المقيمة في الدولة كمضاربين في الاسهم وكذلك بعض الخليجيين مما أدى الى زيادة الطلب الكلي على الاسهم وارتفاع اسعارها طبقاً لقانون العرض والطلب المعروف ورب قائل يتساءل كيف تدخل الجاليات الاجنبية الى السوق والقانون يمنعها من ذلك؟ فالاجابة ستكون ان التداول كان يتم في البنوك وفق استمارات التداول المعدة من قبل الشركات غير انه لم يكن يذكر اسم الشخص المتنازل اليه عن الاسهم اي ان اسم المتشري لا يذكر في ورقة التنازل. وفي ذلك بالطبع مخالفة صريحة لقوانين الدولة حيث ان البنك ذاته قد خان الامانة عندما اعتمد تلك الصفقة وبالتالي يتم خلق ورقة مالية قابلة للتداول وهي الورقة التي تم فيها التنازل عن الاسهم المعنية حيث يقوم المشتري بالمضاربة بتلك الورقة حتى تؤول في النهاية الى المواطن الضحية الذي سوف يقوم بكتابة اسمه في الخانة المخصصة للمشتري ويقوم بتسجيل الاسهم باسمه لدى الشركة. والحقيقة ان ذلك التلاعب لم يكن ابداً ليتم لو قامت السلطات النقدية والمصرفية ممثلة بالبنك المركزي بتشديد الرقابة على البنوك ومنعها من القيام بمثل تلك الاجراءات الخاطئة والتي تخالف قوانين الدولة. وقامت وزارة الاقتصاد. بصفتها الجهة المسؤولة عن قوانين الشركات والمعاملات التجارية وما يرتبط بها من اجراءات ووضعت قيوداً ورقابة صارمة على ذلك وتوحيد النماذج التي يتم فيها انتقال ملكية اسهم الشركات مع اشتراط اعتماد ذلك النموذج من الوزارة ذاتها او المصرف المركزي او وضع آلية تمنع البنوك من التلاعب مثل اقتصار التداول على بنوك معينة بشرط ان يتم التداول بحضور ممثل من وزارة الاقتصاد او البنك المركزي موجود بصفة دائمة في البنك اثناء عمليات التداول. لا شك ان المضاربات التي وقعت في الصيف الماضي في سوق الاسهم افقدت المستثمرين الثقة في السوق فالكثير منهم قد خسروا خسائر فادحة والبعض قد ربح ولكن على حساب الآخرين, ومما ينمي انعدام الثقة عدم اقبال الشركات الاستثمارية المساهمة منذ قيامها حتى الآن وقد مضى على بعضها سنوات على تنفيذ مشاريع استثمارية حيوية تذكر. فأغلب مشاريعهم ما زالت تحت الدراسة والتخطيط الى درجة ان المستثمر قد بدأ يشكك في مصداقية مثل تلك الشركات ومن هذا المنطلق نرى ان المفتاح الحقيقي لتحريك السوق يكمن في استعادة الثقة واستعادة المصداقية الى ذلك المستثمر عن طريق خلق وايجاد مشاريع حيوية لتلك الشركات وابرازها بالشكل الحقيقي لها لا بالشكل الدعائي وتوزيع ارباح استثمارية حقيقية لا ارباح الفوائد المصرفية المحصلة على ايداعات الشركات لدى البنوك.