آفاق اقتصادية: أهلاً رمضان .. وداعاً للإسراف والتبذير:بقلم- د. محمد ابراهيم الرميثي

يسرنا ان ننتهز فرصة قدوم شهر رمضان المبارك لنزف أسمى آيات التهاني والتبريكات الى مقام صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة واخوانه الشيوخ أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الامارات حفظهم الله جميعا وإلى أولياء العهود الكرام وكافة الشيوخ والمسلمين جميعا في شتى بقاع الأرض . جعل الله رمضان شهراً عظيماً مباركاً يمر علينا مرة واحدة في السنة, وقد فرض الله علينا صيامه وجعل ذلك ركناً من أركان الاسلام الخمسة التي لا ينهض الدين الا بها, كما أوجب علينا قيامه استنادا الى سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم, فرمضان شهر يتغذى به المسلم ويتزود بالغذاء والزاد الروحي, حيث يفترض ان يشحن المسلم شحنة روحية من ذلك الشهر المبارك تكفيه لمدة عام كامل وتحميه من الزلات والخطايا وكبائر الإثم والذنوب. ومن الطبيعي جدا أن تبدأ تلك الشحنة كبيرة جدا فتوجد لدى المسلم طاقة روحية عالية خلال الشهر الفضيل ذاته وبعده بقليل ثم تبدأ تلك الشحنة بالتفرغ التدريجي حتى ينتهي العام ويأتي رمضان الجديد (أي في السنة المقبلة) (فرمضان الى رمضان كفارة لما بينهما), وتعتمد الطاقة المشحونة في الحقيقة على عدة عوامل أهمها شخصية الانسان ذاته ومدى التزامه الديني, ثم حجم العبادة التي سوف يؤديها في رمضان, ثم مدى التزامه الديني خلال السنة (أي بعد انقضاء رمضان), ثم ظروف البيئة التي يعيش فيها (البيئة الاجتماعية والأسرية والنفسية والاقتصادية). ويفترض بالمسلم ان يحاسب نفسه بقدوم رمضان عن مدى تأثير رمضان السابق على حياته وسلوكه وكم هي شحنة الطاقة الروحية التي حصل عليها من رمضان السابق, وهل كانت تلك الشحنة كافية لمدة ام لا؟ فإذا لم تكن كافية وهذا ما نتوقعه في ظل ظروف العصر فلابد إذن من أن يراجع العوامل التي أدت الى تفرغ تلك الشحنة وعدم تحقيقها للأهداف المرجوة منها وللغايات والمقاصد الشرعية التي وضعت من أجلها, فإذا أدرك الانسان تلك العوامل فلا بد من أن يحدث تغييرا في نمط حياته وسلوكه من الحالة السيئة الى الحالة الحسنة, حيث ان الانسان بحاجة مستمرة الى الغذاء الروحي تماماً مثلما هو بحاجة الى الغذاء المادي, وذلك لكونه إنسانا بطبيعته مكون مادة وروح. إن من أهم الغذاء الروحي الذي يجب أن يتزود به المسلم طوال حياته, ويجد تأكيدا عليه في شهر رمضان هو السلوك الاستهلاكي ذاته, حيث قوم الاسلام السلوك الاستهلاكي للمسلم وجعله متزناً ومعتدلاً, وذلك عندما دعاه وأمره بالاقتصاد في الاستهلاك, فنهاه الاسلام عن الشح والبخل بشتى صوره لأنه آفة ذميمة وعادة سيئة موجبة لغضب الله على العبد الذي يعتادها, وفي ذات الوقت أمر بالإنفاق على ذوي القربى واليتامى والفقراء والمساكين باعتدال واتزان وعدم التبذير والاسراف, حيث شبه الله سبحانه وتعالى المبذرين والمسرفين بأنهم إخوان الشياطين, وذلك تعبيرا عن سخط الله سبحانه وتعالى وغضبه الشديد على المبذرين والمسرفين. وقال تعالى في سورة الإسراء: (وآت ذا القربى حقه والمساكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا * إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا * وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً * ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً * إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر انه كان بعباده خبيرا بصيرا) . والحقيقة ان الآيات واضحة جلية وتفسر ذاتها, وحتى الآية رقم 28 تشير الى الانسان الذي ليس لديه مال يتصدق به على الفقراء والمساكين وذوي القربى حيث يرى المفسرون بأنه يجب الا ينهرهم ويتركهم بل لابد من مواساتهم بالقول اللين والكلام الطيب والوعود الحسنة في حالة الحصول على المال. والحقيقة ان مجتمعاتنا الاسلامية المعاصرة قد اعتدات في الاستهلاك وفي رمضان على وجه الخصوص بعادات تخرج بعض الشيء عن حدود الانفاق المعتدل وتميل الى الاسراف والتبذير, ولا يكترث البعض بأوامر الله ونواهيه في هذا المجال ولا يعتبر من كلام الله ولا من سنة نبيه التي يقرأها ويسمعها ويراها ويدركها بحواسه, والكلام هنا موجه بالذات الى هذه الفئة من المسلمين حيث نقول لهم لابد من تطبيق شرع الله الذي شرعه لنا في السلوك الاستهلاكي, ولابد من الاعتدال في الإنفاق حيث لا إفراط ولا تفريط ولا إسراف ولا تبذير ولا بخل, ان الطعام والشراب الذي يعمل بكثرة لا يعتبر اسرافا ولا تبذيرا اذا وجدنا له من يستهلكه, وإن كان للحيوانات والمواشي والطيور, فهو لايذهب هباء ولا يندم عليه, إنما الاسراف الحقيقي يتمثل بذلك الطعام الكثير الذي يرمى في صناديق القمامة ولا يستفاد منه, وهنا نقول انه لابد من اتساع افقنا بعض الشيء ليشمل تفكيرنا أحوال الأمة الإسلامية مجتمعة في شتى بقاع الأرض, ان الطعام والشراب الذي يرمى في سلات القمامة كان الأولى ألا يعمل أصلاً وان يتم توفير الأموال التي أنفقت من أجله لتنفق على مستحقيها من الفقراء والمساكين وذوي القربى واليتامى وغير ذلك من الفئات المستحقة للصدقات. وبعد هذه المقدمة نقول كفى برمضان واعظاً ومرشداً لنا للاعتدال في انفاقنا واتباع الوسطية والاتزان وهذا هو ذاته ما يهدف اليه علم الاقتصاد الحديث.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات