تقرير اقتصادي: ضغوط شديدة على أسعار النفط رغم الانتعاش الخادع

يتعين ان لا يكون الارتفاع المفاجئ في اسعار النفط بالاسواق العالمية نتيجة الضربة الامريكية والبريطانية للعراق فجر الخميس بالتوقيت المحلي للمنطقة دافعا نحو نسيان الازمة التي تعيشها اسواق النفط العالمية او تجاهلها وعدم التعامل معها بجدية . فالتحسن الحالي (الاربعاء والخميس) الماضيين سيكون في معظم الاحوال ارتفاعا مؤقتا وسيعتمد استمراره على مضاعفات الازمة الحالية في المنطقة ومدى تأثير الضربات الجوية والصاروخية على العراق وخصوصا على قطاع النفط العراقي وتدفق صادرات النفط العراقي للاسواق النفطية العالمية. فالعراق ينتج حاليا حوالى 5ر2 مليون برميل ويصدر حوالي 8ر1 مليون برميل يوميا بموجب اتفاق النفط مقابل الغذاء الذي يسمح للعراق تصدير ما قيمته 5ر2 مليار دولار كل ستة اشهر.. ولا يبدو ان هذا الاتفاق سيتأثر بموجب الازمة الحالية كما ان صادرات العراق من النفط الخام ستستمر في حالة بقاء الازمة ضمن اطارها واهدافها الحالية ولذلك فان الارتفاع الحالي في اسعار النفط سيكون ارتفاعا مؤقتا بفعل الازمة السياسية والعسكرية الراهنة طالما ان هذا الارتفاع لم يكن نتيجة عوامل السوق وفي مقدمتها العرض والطلب. فالعرض ما زال كبيرا ويفوق كثيرا معدل الطلب العالمي على النفط وما يزيد من اختلال هذه المعادلة وتأثيرها السلبي على اسعار النفط وجود مخزونات ضخمة لدى الدول والشركات الصناعية الكبرى يزيد عن ستة الاف مليون برميل تكفي للاستهلاك حوالى ستة اشهر في هذه الدول. وهو مرشح للزيادة والارتفاع نتيجة استمرار زيادة العرض من داخل (اوبك) ومن الدول المنتجة الاخرى خارجها. وفي هذه الحالة فان الارتفاع في اسعار النفط الذي وصل الى حدود دولارين للبرميل منذ شعور الاسواق بالازمة بين العراق ومفتشي الاسلحة ومرورا بالضربة العسكرية الامريكية والبريطانية ليتجاوز سعر خام القياسي (برنت) حاجز 11 دولارا للبرميل سيكون في اغلب الاحوال ارتفاعا مؤقتا ويجب ان لا يبعد هذا الارتفاع في الاسعار عن الاذهان وجود ازمة فعليه في اسواق النفط العالمية تضغط بشكل قوى على اسعار النفط التي وصلت الى ادنى مستوياتها منذ اكثر من 12 عاما. ويتعين ايضا ان يكون واضحا ان الارتقاع الذي سجل اخيرا في اسعار النفط لا يعود بمجمله الى تأثيرات ازمة العراق. وانما يعود في جانب منه الى الحديث عن عقد اجتماع الخميس بين وزراء النفط والطاقة في المملكة العربية السعودية وفنزويلا والمكسيك وهو ما يعرف باجتماع (مجموعة الرياض) للبحث في صيغة جديدة للتعاون بين المنتجين من داخل (اوبك) وخارجها لتحقيق الاستقرار في اسواق النفط ودعم الاسعار. ويكتسب اجتماع (مجموعة الرياض) دائما اهمية خاصة كون ان هذه المجموعة توصلت في العام الحالي في كل من الرياض وامستردام الى اتفاقيتين لتخفيض الانتاج قادا في مارس ويونيو الماضيين الى اتفاقيتين لتخفيض الانتاج بمعدل 6ر2 مليون برميل يوميا وايداها دول من خارج (اوبك) بتخفيض الانتاج بمقدار 500 الف برميل يوميا. ويبدو ان هذه الالية التي وضعتها (مجموعة الرياض) لاجتماعاتها ابان كل ازمة باتت موضع اهتمام وترقب الاسواق لان هذه الالية وما نتج عنها من قرارات مؤثرة في توجه (اوبك) ودول اخرى لاجراء تخفيضات انتاجية ما زالت قادرة على اتخاذ مبادرة جديدة كلما اشتد ضغط الازمة على اسعار النفط. ويعتقد ان اجتماع (مجموعة الرياض) في مدريد يستند هذه المرة الى ارضية مهمة ناتجة عن قمة التعاون الخليجى التي اختتمت في ابوظبي يوم التاسع من ديسمبر الجارى باتفاق يحدث لاول مرة بشأن الاجراءات التي يتعين اتخاذها في اسواق النفط العالمية. ولذلك فان الارتفاع الحالي في اسعار النفط يجب ان لا يفقد الدول المنتجة للنفط توجهها الاساسي للتعامل مع الازمة الحالية في اسواق النفط العالمية. فقد وضعت دول التعاون الست ومنها اربع دول رئيسية في (اوبك) قاعدة قوية لاتفاق جماعي في اوبك وخارجها يقود الى تجاوز الازمة الحالية ودعم الاسعار. ويستند هذا الاتفاق الى رؤية شمولية وواضحة باستشعار الازمة ومعايشتها والاقرار بنتائجها والتعامل مع افرازاتها من خلال الاعلان بان عصر الطفرة النفطية قد انتهى. وقد أدى هذا الاستشعار الصادق للازمة وابعادها الى اتخاذ اول قرار عملي في قمة خليجية بشأن معالجة الوضع في السوق النفطية العالمية. فقد قررت قمة ابوظبي استمرار العمل بالتخفيضات الانتاجية التي حددتها منظمة (اوبك) في يونيو الماضي حتى نهاية 1999. واكدت استعدادها لاجراء تخفيضات جديدة في الانتاج اذا التزمت جميع دول (اوبك) بالمعدلات الانتاجية والتخفيضات المقررة وتكليف لجنة التعاون البترولي في مجلس التعاون باجراء الاتصالات اللازمة مع الدول الاخرى في اوبك وخارجها ومع الهيئات والمنظمات الدولية المعنية بشأن وضع تجارة النفط. وترجع اهمية قرارات قمة ابوظبي بشأن النفط الى انها جاءت بعد عدم تمكن (اوبك) من الوصول الى اتفاق جماعي في اجتماعها الاخير نهاية نوفمبر الماضي في فيينا بشأن تمديد العمل باتفاق يونيو 1998 القاضي بتخفيض الانتاج بمعدل 6ر2 مليون برميل لمدة ستة اشهر اخرى حتى نهاية 1999 او اجراء تخفيضات جديدة كما تطالب بذلك بعض دول (اوبك) . طبعا ان عدم الاتفاق الجماعي في المؤتمر الاخيرلمنظمة (اوبك) ناتج اساسا عن عدم التزام بعض دول المنظمة بالتخفيضات الانتاجية التي تعهدت بها وعدم استعداد دول اخرى ومنها دول الخليج الدخول في التزامات اخرى لتخفيضات انتاجية جديدة ما لم يتم التزام كامل بالقرارات والتخفيضات التي اتخذت في يوينو السابق. وكان عدم الاتفاق في المؤتمر الاخير لمنظمة (اوبك) بشأن الخطوة التي يتعين اتخاذها مترافقا مع احساس بثقل الضغط على اسعار النفط العالمية ولذلك قررت عقد مؤتمرها المقبل في مارس بدلا من يونيو 1999 بسرعة التعامل مع الازمة بعد اجراء مزيد من المشاورات والاتصالات فيما بينها ومع الدول المنتجة الاخرى خارج (اوبك) . وفي هذا الاطار شكل اجتماع (مجموعة الرياض) في مدريد وقرارات قمة ابوظبى بشأن النفط قبله قاعدة مهمة للتعامل مع التطورات الحالية في اسواق العالمية. واذا جاءت تطورات ازمة العراق وتأثيراتها على اسعار النفط لتدخل بقوة في اطار المجريات والتحركات القائمة للتعامل مع الوضع الراهن في سوق النفط العالمية فانها يجب ان لا تبعد التحرك الاساسي سواء لمجموعة الرياض او منظمة (اوبك) عن الاساسي خصوصا وان دول التعاون وضعت اساسا مهما لتوليد اتفاقات جديدة سواء بالنسبة للدول الثلاث التي تكون (مجموعة الرياض) او بالنسبة لمنظمة (اوبك) ككل. فقرار دول التعاون التزام التخفيضات الانتاجية المعلنة حتى نهاية 1999 واستعدادها لاجراء تخفيضات جديدة في حالة التزام جميع الدول في (اوبك) القرارات التي اتخذتها المنظمة يولد قوة وآلية جديدتين تقودان مع تطورات اخرى سياسية واقتصادية على مستوى دول اوبك او على المستوى العالمي نحو اتفاق جديد بين دول المجموعة الثلاثية وبالتالي ولادة اتفاق جديد داخل (اوبك) في اجتماعها المقرر في 23 مارس المقبل او في اجتماع طارئ قد تدعو اليه (اوبك) اذا تطلبت التطورات عقد مثل هذا الاجتماع. ــ وام

طباعة Email
تعليقات

تعليقات