رؤية:المشكلة الحقيقية وراء علة القرن،بقلم: روبرت صامويلسون

ربما يمكن اعتبار علة القرن التي ستفرض حضورها في العام 2000 بمثابة الاثبات النهائي لصحة مقال نشر في العام 1959 بعنوان(الثقافتان والثورة العلمية)وكتبه العالم والروائي البريطاني سي.بي.سنو, الذي ذكر في هذا المقال ان بروز العلم والتقنية يقسم المجتمع الى فئتين, الفئة الاولى هي من يفهمون العلم, والفئة الثانية هي من لا يفهمونه, وبصورة متزايدة فإن هاتين الفئتين تعجزان عن التواصل او الحوار احداهما مع الاخرى , ومع استمرار تباعدهما فإنه (ما من مجتمع سيكون بمقدوره التفكير بشكل حكيم) . ومن المؤكد ان علة القرن هي نموذج رائع يجسد الافتقار للحكمة. لدينا هنا ظاهرة قابلة للتنبؤ بها, ويمكن علاجها بتوافر الوقت, ولكنها لن تعالج بشكل كامل بحلول العام 2000 وهكذا فإن ما كان ينبغي ألا يتجاوز مشكلة صغيرة يمكن ان يتفاقم متحولا الى نكسة اقتصادية كبرى او حتى الى ازمة اجتماعية. ويمضي الاقتصادي اد يارديني من دويتش بنك في نيويورك الى نهاية المطاف بالتنبؤ بامكانية تصل الى 70% لحدوث ركود اقتصادي, ولكن هذه النبوءة ليست من التجاوز بحيث يرفضها الاقتصاديون الآخرون. وفي أفضل الاحوال فإننا سنقضي جانبا كبيرا من العام المقبل في التساؤل عما اذا كانت علة القرن خطرا جديا ام مجرد نكتة تقنية سيئة. ولكن كيف امكن ان يحدث هذا؟ ان الجميع تقريبا يعرف حاليا ان علة القرن تشير الى خطر يواجه بعض اجهزة الكمبيوتر, وفي المقام الاول الانظمة الكبيرة التابعة للشركات والهيئات الحكومية سوف تعجز عن قراءة الرقم 2000 وسوف تراه صفرين وليس 2000 وهذا بدوره من شأنه ان يوقف الانظمة التي تدير المصانع وشبكات الامداد بالكهرباء والماء والعديد من الانشطة المتعلقة بالحياة اليومية وليس هناك الكثير من الغموض حول كيفية مواجهة خطر علة القرن, فمفاتيح البرامج ينبغي ان يتم عرضها على الشاشات وتصحيحها, او قد تحتاج انظمة كمبيوتر بكاملها الى الاستبدال. ومن الناحية العملية فمن المحتم ان تكون هذه العملية ذات طبيعة تتابعية, بمعنى ان الشركات الكبرى تصلح اجهزتها بينما ترغم مورديها وعملاءها الاصغر على القيام بالامر نفسه, والدروس المستفادة في الدول الاكثر ثراء يتم تمريرها الى الدول الاكثر فقرا من خلال الشركات العابرة للاقطار او الهيئات العالمية. ولأن عمليات التصحيح قد بدأت, فإن المشهد العام ليس كئيبا تماما. وقد استعرض يارديني مؤخرا 402 تصريح من جانب الشركات الكبرى مثل فورد وبنك امريكا حول علة القرن. وهذه الشركات في مجموعها تنفق 29 مليار دولار لحل مشكلة علة القرن. وقد أحرزت الحكومة الاتحادية الفيدرالية كذلك تقدما في هذا الشأن. وفي نوفمبر 1997 كان 27% فقط من اجهزة كمبيوتراتها المكلفة بمعالجة (المهام الدقيقة قد تم تصحيح اوضاعها فيما يتعلق بعلة القرن. وهذه الاجهزة تقوم بتحرير شيكات الضمان الاجتماعي والمنح الجامعية والحوار مع مكوك الفضاء. اما الآن فقد ارتفعت هذه النسبة الى 61% وبحلول مارس المقبل فإنها حسب تقديرات البيت الابيض ستبلغ 85%) . ولكن المشكلات تظل قائمة. وفي اطار الحكومة الفيدرالية فإن بعض الهيئات تتخلف عن الاخرى في معالجة هذه المشكلة, ولنبحث حالة ادارة تمويل الرعاية الصحية, فهي تدير شؤون برنامج للرعاية الصحية تبلغ تكاليفه 200 مليار دولار, يخدم ما يزيد على 38 مليون شخص, وهي تدفع اجور وأتعاب قرابة مليون طبيب ومستشفى ومختبر طبي من خلال شبكة كمبيوتر تضم 103 انظمة مختلفة, وهي تقول ان 18 فقط من هذه الانظمة اصبحت مسايرة لمشكلة علة القرن, وذلك على الرغم من انها تقول ايضا ان 90% من العمل اللازم لاصلاح الانظمة الباقية قد تم انجازه بالفعل. وتواجه الشركات الاصغر بدورها المتاعب, وحسبما يوضحه يارديني فإن شركة دوبوتت قامت باجراء دراسات مسحية على العديد من مورديها الرئيسيين. ومن بين نسبة الــ 30% تقريبا من الشركات التي استجابت لهذه الدراسات فإن الشركة تقدر ان نسبة الخمسين منها قد لا تصحح وضع اجهزتها في الوقت المناسب. ومن الامور المثيرة للقلق كذلك تقرير صدر مؤخرا من منظمة التنمية الاقتصادية والتعاون في باريس التي يمثل اعضاؤها الــ 29 اغنى دول العالم. وقد وجد التقرير (مستوى قياسيا من الاستعداد) لمواجهة مشكلة علة القرن وخلص واصفوه الى القول ان (معظم العمل لا يزال يتعين انجازه) . وعمليات التمويل من قبل الدول الأقل ثراء التي يعاني معظمها الآن من ازمات اقتصادية ربما تتأخر عن نظيراتها في الدول الغنية. وهناك ثلاثة اسباب تجعلنا لا نستطيع ان نستنتج من هذا كله الخطر الحقيقي الذي تشكله مشكلة علة القرن. فأولا ليس بمقدورنا التنبؤ بعدد اجهزة الكمبيوتر التي لن يتم اصلاحها بحلول العام 2000 فالمشكلة اكبر من ان يتم تقدير حجمها بسهولة. وثانيا ليس بمقدورنا ان نعرف كم الضرر المتوقع الناتج عن عجز الاجهزة عن قراءة الرقم 2000 فشركة جنرال موتورز ــ على سبيل المثال ــ تتلقى امدادات من حوالي مائة الف موقع على امتداد العالم. ولو ان 5% من هذه المواقع اصيبت بالشلل فهل يؤدي هذا الى التأثير على صفر% من انتاج الشركة ام 30% ام 100%. وأخيرا نحن لا ندري كيف سيحاول الناس والشركات حماية انفسهم من خطر علة القرن. واذا كان الناس يشعرون بالقلق حيال هذه المشكلة فإن هذا من شأنه ان يؤثر سلبا على اسعار الاسهم في البورصات. والمفارقة هنا هي اننا لو كنا في العام 1995 او 1996, لما أثارت علة القرن انزعاجنا, ولو اننا قمنا وقتها بما تقوم به الآن لكان العالم قد اتيح له الوقت الكافي للاستعداد. والسؤال هو لماذا لم نفعل ذلك؟ لقد كانت هناك تحذيرات في هذا الشأن ولم يكن هناك مجال للشك في طبيعة المشكلة ومع ذلك لم يهتم احد بها. لقد تنبأ سنو بالسبب المحوري الكامن وراء هذا, فمعظم الناس ليس لديها (مفهوم واضح) عن العلم والتقنية حسبما قال. وهكذا فإن العلماء والتقنيين الذين وجهوا التحذيرات لم يستطعوا الدخول في حوار حقيقي مع من يوجهون رسالتهم اليهم. وهكذا فإنه ايا كان الضرر الذي ستوقعه علة القرن بالعالم فإن هذا الضرر سيكون شيئا جناه العالم على نفسه بنفسه. خدمة الواشنطن بوست

طباعة Email