آفاق اقتصادية: موقف الاقتصاد الاسلامي من عملية المضاربة بالعملات:بقلم- محمد ابراهيم الرميثي

لا تكاد الاسئلة تنقطع حول موضوع المضاربة بالعملات من الناحية الشرعية, وفي الحقيقة فإن جميع الاسئلة تركز على شركات المضاربة بالعملات (البورصة) وذلك نظرا لما يمكن ان يحققه المضارب من مكاسب وارباح قد تصل احيانا الى ضعف رأس المال, وقد تنقلب تلك الارباح الى خسائر فادحة ينتج عنها كوارث ومآس أسرية وخراب ديار , وهذه حقائق لمسناها جميعا في أرض الواقع. ونحن في الحقيقة نعرض هنا لتفاصيل عمل هذه الشركات ونقصد هنا الشركات التي تمارس بالفعل المضاربة وليس الشركات الوهمية التي تخدع الناس وتبتز أموالهم بدون القيام بأي نشاط حقيقي. 1ــ تقوم الشركة بأخذ وديعة من العميل بغرض المضاربة بالعملات الأجنبية. وتأخذ منه التفويض بالمضاربة وتوكل عملية المضاربة الى شخص مضارب في الشركة ويكون العميل مسؤولا مسؤولية كاملة عن الربح والخسارة مقابل عمولة يدفعها للشركة عن كل عملية بيع أو شراء يقوم بها المضارب سواء ربح العميل في تلك العملية أم خسر. 2ـ يقوم المضارب بتلك العمليات مستخدما طريقة الدفع المؤجل والأسعار المستقبلية. فمثلا اذا كان المبلغ المودع 000.10 دولار أمريكي وهو الحد الأدنى المطلوب في مثل هذه الأعمال يقوم المضارب في بداية العمليات بشراء عملة ما بقيمة 000.100 دولار أمريكي باسم ذلك العميل ويدفع من حساب العميل 2000 دولار فقط (كعربون التزام) ويتم دفع الباقي عن طريق البنك الذي اتفقت الشركة معه على ذلك ويسمى ذلك التمويل المصرفي بالتمويل قصير الأجل. 3ــ فاذا نجح المضارب ببيع العملة قبل مضي اليوم الذي تم شراؤها فيه وحقق مكاسب فلن يحسب البنك فوائد على العميل واذا فشل في ذلك فسوف يتم احتساب فوائد مصرفية بشكل يومي على العميل والمعروف ان الفوائد اليومية على القروض قصيرة الاجل تكون عالية, بسبب ارتفاع خطورتها من ناحية وكونها تفتقر الى الضمان من ناحية أخرى (سوى 000.10 دولار التي أودعها العميل). والمصرف هنا يبني توقعاته على ان سعر العملة مهما انخفض خلال هذه الفترة القصيرة لن يخسر به اكثر من 000.10 دولار (أي قيمة الوديعة). 4ــ تخضع حركة اسعار العملات لعوامل كثيرة جدا منها مؤشرات التجارة الخارجية للدولة صاحبة العملة وللدول المرتبطة بها بمصالح اقتصادية قوية. ومؤشرات التجارة الخارجية المتوقعة. وكذلك اسعار الفوائد الحالية والمتوقعة, والحقيقة ان كافة المتغيرات الاقتصادية لها علاقة مباشرة بحركة اسعار العملات. وهناك أيضا عوامل ليست اقتصادية قد تكون سياسية أو أمنية أو كوارث طبيعية لها علاقة كذلك على حركة العملات. ومن هذا المنطلق يصبح التكهن بحركة اسعار العملات أمرا مستحيلا. بيد أن بعض المضاربين يستطيع بحكم خبرته أن يلم ببعض المتغيرات القابلة للقياس والتي ذكرناها فيجمع بين ذلك الإلمام وبين قوة الحدس لديه وملكة الذهن ليتكهن بحركة أسعار العملات فيستطيع بالتالي ان يحقق مكاسب من مضارباته بالعملات. وتجدر الاشارة هنا الى أن كل مكسب يحققه مضارب ما لابد وان يكون على حساب خسارة حققها مضارب آخر. فما هو موقف الاقتصاد الاسلامي من ذلك؟ في الحقيقة ان تجارة العملات (صرف العملات) اقرها علماء الشرع وقد مارسها الصحابة رضوان الله عليهم حيث كانت لهم انشطة اقتصادية وتجارية مع الامم والشعوب المجاورة وكان الامر يتطلب منهم تغيير العملات بشكل مستمر. بيد ان الفقهاء لم يجيزوا تجارة الورق (التوريق) لما فيها من اضرار بالغة بالناس وبالممتلكات ولما فيها من شبهة الربا. ولقد تم الاشتراط في تجارة العملات التسليم الفوري للعملات من كلا الطرفين (البائع والمشتري) , وهذا الشرط يتحقق في الحقيقة في حالة المضاربات التي شرحناها. غير ان الاسلام يؤمن بما يسمى بـ (الارادة الباطنة او النية) , وتعتبر النية في الاسلام شرطا اساسيا في كافة العبادات والانشطة والمعاملات, واذا لم يكن العمل مقرونا بالنية فلا يحتسب من الاسلام في شيء ولايرتبط به. وفي حالة اباحة الصرف الاجنبي كانت مقاصد الشريعة هي تيسير وتسهيل التجارة الخارجية, ولم يكن مقصدها المضاربة بالعملات, حيث ان المضاربة بالعملات لها مضار كثيرة جدا يرفضها الدين وترفضها مقاصد الشريعة ونورد تلك المضار كالآتي: 1- المضاربة بالعملات هي مقامرة (ميسر) وكذلك تسمى باللغة الاجنبية gambling ولقد حرم الاسلام الميسر تحريما ظاهرا بينا. 2- المضاربة بالعملات تضر الافراد وتضر الاقتصاديات الوطنية ولقد حرم الاسلام الضرر ونهى عنه. 3- المضاربة بالعملات لاتخلق انتاجا ولاتضيف قيمة حقيقية الى الانتاج, والاسلام يحث على العمل والانتاج. 4- المضاربة بالعملات تكون النية معقودة فيها على تجارة الورق وليس لغرض تيسير وتسهيل التجارة الخارجية وبذلك فهي تخرج عن مقاصد التشريع الاسلامي. 5- المضاربة بالعملات في الحقيقة تخرج بالعملات عن وظائفها الحقيقية التي وجدت من اجلها (وظائف النقود) فالنقود وجدت كأداة لتسهيل المعاملات التجارية وكمخزن للقيمة وكأداة للمدفوعات الآجلة وكوحدة لقياس قيم السلع والخدمات ولم توجد لغرض المضاربة بها او تأجيرها او غير ذلك. 6- المضارب لابد وان يتعامل مع البنوك ويقترض بالربا, وذلك كما اوضحنا سابقا. وفي الختام احب ان اشير الى انني لست مشرعا ولكنني اقتصادي, وهذا اجتهاد مني فقط لايضاح صورة تلك المعاملات وكيف تتم, ثم لاثارة الموضوع للمتخصصين في الشريعة والدين ليدلوا بدلوهم فيه ويقولوا كلمتهم. ونقول للاخوة المضاربين ابحثوا عن فرص الاستثمار الحلال سوف تجدونها كثيرة حيث يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة (البقرة (واتقوا الله ويعلمكم الله) .

طباعة Email
تعليقات

تعليقات